يتراوح العدد التقريبي لإجمالي المستحقين المشمولين بالمنحة السنوية للصحفيين والأدباء والفنانين في العراق بين 20,000 إلى 30,000 مستفيد، مسجلين رسمياً في نقابة الصحفيين العراقيين ونقابة الفنانين واتحاد الأدباء والكتاب وغيرها.
وتأتي هذه الأرقام المتصاعدة لتدخل في حسابات التمويل المعقدة؛ إذ تتأرجح المبالغ المرصودة تاريخياً بين حد أدنى يبلغ 300,000 دينار وحد أعلى يصل في مواسم استثنائية معينة إلى مليون دينار عراقي للشخص الواحد في السنة.
ورغم كونها التزاماً أخلاقياً ودستورياً، إلا أن مسيرتها شهدت انقطاعات بارزة؛ حيث حُجبت المنحة تماماً ولم تُمنح في سنوات سابقة حرجة مثل 2015 وحتى 2020 نتيجة الأزمات الاقتصادية الخانقة، قبل أن تُستأنف مجدداً وسط آليات توزيع متعثرة وبيروقراطية معقدة.
أرقام في مهب البيروقراطية:
نار الانتظار وتلكؤ التمويل
خلف كواليس هذه الإعانة الرمزية، تختبئ أرقام وإحصائيات تكشف عمق الأزمة المعيشية والبيروقراطية التي تواجه النخب الإبداعية:
ذبذب القيمة والفئات:
قُسمت المبالغ في الفترات الأخيرة على ثلاث فئات (أ، ب، ج) لتتراوح بين300,000 و 500,000 و700,000 دينار عراقي وربما المليون، وهي تختلف تدويرياً من عام لآخر بحسب مخصصات الموازنة العامة.
نار الانتظار:
عانى عشرات الآلاف من المشمولين مرارة ونار الانتظار لشهور متواصلة، نتيجة التلكؤ المستمر من قبل وزارة المالية العراقية في الحكومات السابقة، مما حوّل استحقاقهم إلى رهينة للمماطلة الإدارية والمناقلات المالية بين أروقة الوزارات.
فجيعة الفقد اليومي:
حين تقتل الفاقة رموز الإبداع
لم تعد المنحة مجرد ترف أو فائض مالي، بل تحولت إلى مسألة حياة أو موت في ظل واقع صحي مرير يواجهه المبدع العراقي:
رحيل الرموز المبدعة:
يشهد الوسط الثقافي كل يوم رحيل رمز مبدع وقامة فنية أو أدبية فارقة، بسبب العجز المادي التام عن توفير تكاليف العلاج للأمراض المزمنة.
عقبات الاستشفاء:
تزهق أرواح المبدعين بسبب عدم القدرة على إجراء عمليات جراحية عاجلة، أو العجز عن تحمل كلفة المكوث في المستشفيات الخاصة، مما يجعل ضآلة هذه المنحة ورمزيتها، على شحّها، أملاً تنتظره أفواه جائعة وأجساد عليلة لتمويل أبسط الاحتياجات الطبية والدراسية المتراكمة.
الجدلية الفلسفية والقانونية:
حرية الفكر وحصانة النقابات
يرفض الواقع الثقافي محاولات مقايضة الدعم المالي بالحرية، مستنداً إلى قراءة منطقية وقانونية صارمة:قياس الأبوة الفطرية:
الوالدان يمنحان ابنهما أو ابنتهما شكل حياته كاملاً من إطعام، وكسوة، وتربية، ورعاية.
لكن هذا العطاء المادي لا يعفي الأبناء أبداً أمام الله من إبداء الرأي المستقل، وربما الوقوف بكل شجاعة بوجه الأبوين في أمور مصيرية وعقائدية كبرى إن كفرا بالخالق مثلاً؛ فالمال لا يشتري الضمير الفطري.
الحصانة النقابية والتشريعية: دتلتزم الدولة قانوناً بمنح النقابات والاتحادات المعنية تخصيصات مالية سنوية ثابتة لضمان ديمومتها.
هذا التمويل هدف أسمى لتمكين المؤسسات من الدفاع عن أعضائها وحقوقهم المشروعة، حتى في مواجهة تعسف أعلى سلطة تنفيذية أو تشريعية في البلاد، دون أن يعني ذلك التبعية أو سلب الحياد.
برج الرفاه العاجي:
شروط الحكم الأخلاقي على المعاناةتظهر الهوة السحيقة بين المكتفين مادياً وبين الشريحة المسحوقة من المثقفين في تقييم الجدوى الاقتصادية للمنحة:
ترفع شريحة المكتفين:
لا تعني هذه المبالغ الرمزية شيئاً لأصحاب الطروحات والنظريات المكتفين مالياً، والذين يعيشون في غنىً تام يعفيهم حتى من ملء استمارات التقديم في أروقة الوزارات أو الاتحادات.
معايشة بؤس الواقع:
تملك الشريحة المترفة كامل الحرية في عدم المطالبة بالمنحة، لكن لا يحق لها أخلاقياً التنظير وتحليل حاجة الآخرين من موقع الرفاه.
إن من يريد إطلاق أحكام منصفة، عليه أولاً نزول الميدان ومعايشة المثقف المحتاج لأسبوع كامل في بيته، ومشارقته معاناة لقمته اليومية، والنوم على سرير مرضه، وتحمل شدته وفاقته الشديدة، ليصدر حكمه بعدها عن دراية وتضامن إنساني حقيقي.
✦ كتابات في الميزان ✦
ينقل المقال منحة الصحفيين والأدباء والفنانين من خانة الأرقام السنوية إلى حقيقتها الإنسانية بوصفها سندًا محدودًا لمبدعين أثقلهم المرض وضيق العيش. وينتقد البيروقراطية التي تجعل الاستحقاق رهينة التأخير، كما يرفض مقايضة الدعم المالي بحرية المثقف واستقلال النقابات. وتبرز رسالته الأخلاقية في دعوة المقتدرين إلى عدم الحكم على حاجة الآخرين من أبراج الرفاه، بل من واقع المعاناة اليومية.
