بعد عام 2003 شهد العراق توسعا" كبيرا" وغير مسبوق على مستوى المنطقة والعالم اجمع في اعداد حملة الشهادات العليا من الماجستير والدكتوراه حيث كل من هب ودب ومن دون سابق انذار او معرفة ومن جامعات معترف بها او غير معترف بها ، رصينة او غير ذلك ما انزال الله بها من سلطان ومن جميع بقع العالم المتخلفة والمتطورة ومن كافة الاختصاصات الطبية والهندسية والادارية والمالية والسياسية والادبية والقانونية وعلم الجغرافية والرياضة والفنية وعلم الاجتماع وعلوم الارض والفيزياء وبل وحتى علوم الفضاء(ونحن البعيدون عن الفضاء بُعد الشمس عن الارض) بعد ان ازداد الاهتمام الرسمي بالتعليم العالي والبعثات الدرلسية وفتح الباب على مصراعيه للدراسات العليا امام اعداد واسعة من الموظفين والخريجين، واصبح الحصول على شهادة عليا في كثير من الاحيان طريقا" لتحسين الراتب والدرجة الوظيفية والمكانة الاجتماعية والوجاهة السياسية وامسى اللقب العلمي عنوان واسع لمكانة الشخص والفرد العراقي على الرغم من الامية المتفشية في خريجيه (واقصد هنا ليست امية القراءة والكتابة وانما الجهل المعرفي وقلة ثقافة المرء في مجالات الحياة وحتى تصل بعض المرات الى مجال اختصاصه الدقيق).
وخلال عقدين من هذا التوسع المخيف في اعداد حملة الشهادات العليا يطرح التسأول المشروع .... ماذا قدم اصحاب هذه الشهادات للعراق طول هذين العقدين من الزمن؟ في هذا الموضوع انا لا اتقصد التقليل من شأن العلماء والباحثين العراقيين المجدين والمخلصين في عملهم ولا انكر من وجود نماذج علمية واكاديمية مشرفة (لكنها محدودة وتعد على يد الاصابع الواحدة) انما هنا السؤال يتعلق بالمنظومة بصورة عامة (هل تحولت الشهادات العليا الى معرفة وكنز علمي وانتاج وبحوث ودراسات تطبيقية قابلة للتحقيق الواقعي واختراعات وحلول مشكلات مستعصية وصعبة في العراق، ام تحولت في الجانب الاخر من الفائدة والى وسيلة للحصول على راتب اعلى وامتياز وظيفي اكبر.
ان الشهادة العليا هي ليس انجازا" بحد ذاته فهي يفترض ان تكون بداية الطريق وليس نهايته، فالدكتوراه في مفهوم الدول المتقدمة ليست مجرد شهادة تعلق على الجدار او ترفع على صدر المكتب وانما هي ناتج معرفي وخزين متراكم من الخبرة في مجال الاختصاص وتدريب طويل على انتاج معرفة جديدة وحل مشكلة علمية او تقنية ، ولكن الذي حصل في العراق انتج ازمة جديدة وكبيرة من حملة الشهادات لان اصبح الهدف الاساسي من الحصول على الماجستير او الدكتوراه هو الانتقال الى عنوان وظيفي اعلى او الحصول على مخصصات مالية اكبر من دون وجه حق الى ان وصل عدد حاملي تلك الشهادات الى ارقام فلكية وتضخم كبير من دون الحصول على تضخم مماثل في الانتاج العلمي، مما ادى ذلك الى الاختلال في الميزان بين عدد الشهادات مقابل الفائدة المجتمعية المقابلة لها. ولان العراق بعد حصول التغيير الكبير واجه مشكلات هائلة في قطاعات (الكهرباء، الماء، التصحر، الزراعة، الصناعة، النفط، الغاز، النقل، السكن، التلوث البيئي ، ادارة النفايات، الصحة والتعليم والقوانين التشريعية الحديثة والتحول الالكتروني والادارة المالية) أقول كل هذه المشكلات والازمات هل استطاعت الجامعات ومراكز البحوث العراقية واصحاب الشهادات العليا المنتشرون في وزارات وشركات الدولة العراقية ان تقدم لها حلولا" قابلة للتطبيق، وكم بحثا" تحول من رسالة ماجستير او اطروحة دكتوراه الى مشروع صناعي او تقني او منتج تجاري. وكم اختراعا" او براءة اختراع عراقية وصلت الى السوق وكم تقنية عراقية قللت كلفة انتاج الكهرباء او معالجة المياة او تطوير الزراعة.
وعلى هذا المنال من المفيد ان نستحضر تجارب الدول المتطورة في التعامل مع اصحاب الشهادات العليا والاستفادة منهم كلٌ في مجال تخصصه، فمثلا" في التجربة اليابانية لا بوصفها تجربة بعيدة عن واقعنا وانما نموذجا" يكشف الفارق بين التعليم الذي يتحول الى قوة منتجة والتعليم الذي يبقى اسيرا" للشهادات والالقاب. فقد ادركت اليابان مبكرا" ان نهضة التعليم العالي لا تتحقق بكثرة الجامعات وحملة الشهادات فحسب وانما يتعدى ذلك بمدى ارتباطها بمنظومة البحث العلمي والقطاع الصناعي وحاجات المجتمع، لذلك اصبحت الشهادة هناك بداية لطريق العمل والابداع والانتاج، وليس نشاطا" اكاديميا" منفصلا" عن الاقتصاد بل يرتبط بالجامعات والشركات والمختبرات والصناعة وتشير بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ( وهي منظمة عالمية تعنى بالسياسات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية في العالم ومن ضمن عملها تدرس التعليم العالي ومخرجاته ومدى ارتباط التعليم بسوق العمل) الى ان اليابان انفقت نحو (%3.62) من الناتج المحلي الاجمالي على البحث والتطوير في عام 2024 وهي نسبة مرتفعة مقارنة بالعديد من الدول. كما ان اكثر من (%80) من الانفاق الياباني على البحث والتطوير كان موجها" الى البحث التطبيقي والتطوير التجريبي وفق بيانات تلك المنظمة. وهنا يحدث الفارق لان صاحب اللقب العلمي (الدكتور) في اليابان لا يقاس فقط بما يحمله من ذلك اللقب بل بما يستطيع ان يضيفه الى المعرفة او الصناعة او الاقتصاد والتي جميعها تصب في مصلحة المجتمع ومديات تطوره.
اما في الدول الغربية والاسيوية الاخرى المتطورة ايضا" كنماذج حية وقائمة لاتقاس قوة الجامعات بعدد الابنية او عدد الالقاب الاكاديمية فيها فقط وانما بقدرتها على انتاج المعرفة وربطها بعجلة الاقتصاد، حيث في المانيا عام 2024 بلغ الانفاق على البحث والتطوير نحو (%3.13) من الناتج المحلي الاجمالي وفي كوريا الجنوبية بلغ (%5.1) وفق بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، والاهم من تلك النسب والارقام ان هنالك منظومة متكاملة تربط الاستاذ الجامعي وحامل لقب الدكتور وصاحب الماجستير بالمختبر، والمختبر بالشركة، والشركة بالسوق، والسوق بالاقتصاد، وهكذا هي سلسلة متراصة ومتواصلة مع بعضها البعض غايتها الاسمى فائدة المجتمع وايجاد الحلول الناجعة لمشكلاته وتسهيل حياته وجعلها في متناول الجميع، ولاجل ذلك تتحول تلك المعرفة الى اموال وفرص عمل ومنتجات وتكنولوجيا حديثة متطورة.
وبعد ملاحظة تجارب الدول الاخرى في هذا المجال ومقارنتها مع وضع العراق تبين ان الازمة الحقيقية المرتبطة من تضخم اصحاب الشهادات العليا في العراق ومن دون تقديم المطلوب منهم تتخلص بنقطتين او مشكلتين جوهريتن هما:
• المشكلة الاولى هي ليست متعلقة في حملة الشهادات العليا وحدهم لان تحميل الدكتور او الاستاذ الجامعي او حامل الماجستير مسؤولية فشل منظومة البحث العلمي كاملة سيكون ظلما" لان الباحث يحتاج الى مختبرات وتمويل ومراكز بحث رصينة وحقيقية وحرية اكاديمية ونظام ترقية يعتمد على البحث الحقيقي وشركات تستثمر في الابتكار ودولة تعرف ماذا تريد من جامعاتها واصحاب شهاداتها العليا وتلك الاسس تكاد تكون معدومة في العراق.
• المشكلة الثانية تضخم الشهادات وازدياد اعدادهم بصورة غير مسبوقة في اي دولة بالعالم وحتى في الدول العربية ودول المنطقة، لانني وكما اسلفت اضحت هدفا" وظيفيا" اكثر من كونها مشروعا" علميا". وهذا ادى الى شيوع ظاهرة يمكن تسميتها بــ( تضخم المؤهلات) ارتفاع عدد حملة الشهادات من دون وجود ارتفاع مواز في جودة الانتاج العملي. لاننا نجد في كثير من مؤسسات الدولة العراقية غزارة من حملة الشهادات العليا وبالخصوص من حملة الدكتوراه لكنها لا تستطيع تطوير نظام اداري بسيط اومعالجة مشكلة فنية او انتاج دراسة علمية مؤثرة او تقديم ابتكار قابل للتطبيق (حتى في احدى المؤسسات وانا شاهد عيان عليها فيها قسم صغير غير عائد لمؤسسة جامعية او اكاديمية او بحثية وانما هو ضمن شركة خدمية عامة عدد منتسبيه لا يتجاوز الثلاثون منتسب فيه خمسة منتسبين من حملة شهادة الدكتوراه وست اخرين من الماجستير اما على مستوى المؤسسة ككل فحدث ولا حرج من الاعداد في جميع الاختصاصات المطلوبة في تلك الشركة او غير المطلوبة ضمن اختصاص عملها).
ولتقليل او الحد من اثار زيادة وتضخم اصحاب الشهادات العليا في العراق فعلى مؤسسات الدولة التنفيذية والتشريعية تطبيق الحلول والمقترحات التالية:
1. ربط القبول في الدراسات العليا بحاجة الدولة وسوق العمل، حيث يجب ان يكون هناك رقم سنوي محدد لحاجة العراق من كل تخصص ويبنى عليه عدد المقبولين.
2. ايقاف التوسع العشوائي في برامج الدراسات العليا.( حيث بعض الاختصاصات اصبحت تفوق قدرة الجامعات ومؤسسات الدولة والاقتصاد على استيعابها)
3. الغاء فكرة ان الشهادة العليا تعني تعيين حكومي مضمون.
4. تغيير فلسفة الدراسات العليا في العراق من انتاج شهادات الى انتاج معرفة ( الدكتوراه خصوصا" يجب ان تكون مرتبطة ببحث اصيل يحل مشكلة حقيقية في الصناعة او الطاقة او الزراعة وغيرها من مجالات الحياة).
5. اجراء امتحان وطني صارم ومن دون محاباة لطرف على اخر، للقبول في الدراسات العليا.
6. اعادة تمويل توزيع التعليم العالي في الموازنة السنوية للدولة (واقصد به بدلا" من تمويل الاعداد الضخمة من طلبة الدراسات العليا يمكن توجيه الجزء الاكبر من الموارد الى المختبرات والبحث التطبيقي).
7. اعطاء القطاع الخاص دورا" اكبر وحقيقي في استيعاب حملة الشهادات العليا وتطبيق مخرجات ابحاثهم العلمية وكما معمول به في الدول الغربية المتطورة والتي اعتمدت هذا المنهج في العمل.
8. تشجيع التعليم المهني والتقني مع ضمان ايجاد فرصة تعيين حكومي له، لانه ليس من المنطق ان يسعى اغلب الشباب الى البكالوريوس ثم الماجستير والدكتوراه بينما يحتاج الاقتصاد والمعامل والحرف الى حلقة وسطية من فنيين ذو مهارات مهنية عالية.
9. وضع سقف للقبول في كل تخصص وفق الطاقة الاستيعابية مثلا" اذا كانت الجامعات تحتاج الى 200 مدرس جامعي في تخصص ما خلال عشر سنوات فلا معنى لانتاج الاف من حملة الدكتوراه في التخصص نفسه.
10. ربط الترقية العلمية بالانتاج العملي الحقيقي وليس بالابحاث الشكلية التي تكتب للحصول على لقب علمي فارغ المحتوى والمضمون او ترقية والتركيز على براءات الاختراع والمشاريع التطبيقية وحل مشكلات المجتمع.
اخيرا" من حق صاحب الشهادة العليا ان يحصل على راتب ومخصصات بما يتناسب مع تأهيله ومسؤوليته وخبرته، لكن من حق المجتمع والشعب والدولة ان تسأل ما المقابل الذي يحصل عليه المجتمع من هذه الزيادة انه مجرد تسأول بسيط لكن يبقى بدون جواب، وبالتاكيد ان الحل الحقيقي ليس في منع العراقيين من اكمال الدراسات العليا وانما جعل الحصول على الماجستير والدكتوراه قرارا" علميا" ومهنيا" ...... لا قرارا" وظيفيا" وعنوان وجاهة.
