حينما تكونُ الأفعى برأسين. . . إذا سكتَ أحدهما نطقَ الآخرُ 

  هناكَ حكمٌ قديمةٌ لا تحتاجُ إلى كثيرٍ منْ الشرح، فيقال: (اقطعْ رأس الأفعى، ينتهي خطرها ) ، وهي، في أصلها، ليستْ دعوةً إلى اصطيادِ الزواحف، وإنما وصفَ لطريقةِ التعاملِ معَ المشاكل، فلا تطاردُ الأعراض، بلْ اذهبْ إلى مصدرها، لا تلاحقُ الدخان، وابحثْ عنْ النار، ولا تدخلُ في معركةٍ طويلةٍ معَ أدواتِ المشكلة، إذا كنت تعرفُ اليد التي تحركها، لهذا تبدو الحكمةُ منطقيةً جدا … إلى أنْ تكتشفَ أنَ الأفعى ذات رأسين. 
  هنا تتغيرُ قواعدُ اللعبة، تقطعُ الرأس الأول، فيرفعُ الثاني رأسه، ويعلن، بكلِ ثقة، أنَ الأفعى لمْ تصبْ أصلا، فتعودُ إلى الوراءِ قليلا، تنظرُ إلى المشهد، وتبدأُ في الشكِ بقدرتك على العد، رأسا يقولُ شيئا، ورأسا يقولُ شيءٌ آخر، أحدهما يلوحُ بالسلام، والآخرِ يلوحُ بالقوة. أحدهما يقول: (لسنا طرفا في المشكلةِ ) ، والآخر يتصرفُ كأنهُ صاحبُ المشكلةِ وصاحبِ الحلِ في الوقتِ نفسه، بينما العالمُ يحاولُ معرفةَ أيهما يتحدثُ باسمِ الأفعى، تكونُ الأفعى، قدْ قطعتْ مسافةً جديدةً في طريقها.
   قد تبدأُ الملهاةُ السوداء، في الأزماتِ الدولية، فليسَ منْ الصعب، أنْ تجدَ طرفينِ يختلفانِ في التصريحات، لكنهما يتفقانِ في النتائج، هذهِ هيَ المسألة، لا تنظرُ دائما إلى ما يقولهُ الرأسان، انظرْ إلى المكانِ الذي يتحركُ فيهِ الجسد، فقدْ يختلفُ الرأسُ الأولُ معَ الثاني على طريقةِ الهجوم، لكنهما يتفقانِ على ضرورةِ استمرارِ الهجوم، ربما يختلفانِ في اللغة، لكنهما يتفقانِ في المصلحة، قدْ يتبادلانِ الاتهاماتِ أمامَ الكاميرات، ثمَ يجلسانِ في الغرفةِ المغلقةِ ليتفقا على منْ يدفعُ الفاتورة، فالسياسة، كما نعرف، ليستْ دائما مسابقة في الصدق، أحيانا تكونُ مسابقةٌ في معرفةٍ أيْ كذبة تصلحُ للاستهلاكِ العلني، وأيّ حقيقةٍ يجبُ أن تبقى في الغرفةِ المغلقة.
  إنَ البعض، لا يزالُ يتعاملُ معَ الأزمات، بعقليةِ الأفعى ذات الرأسِ الواحد، فيحددُ رأسا واحدا، يضعُ حولهُ دائرة حمراء، ثمَ يقول: (ها هوَ أصلُ المشكلةِ ) ، ولكنْ ماذا لوْ كانَ هذا الرأسُ مجردَ واجهة، ماذا لوْ كانَ الرأس الذي يصرخُ هوَ الأقلُ أهمية، بينما الرأسُ الذي يبتسمُ هوَ الأخطر، وماذا لوْ كانَ كلاهما مجرد رأسينِ لجسدٍ ثالثٍ لا يظهرُ في الصورة. 
   هنا يصبحُ قطعُ الرأسِ مجردَ إجراءٍ تجميلي، تغيير لاعبٍ بلا تغييرِ اللعبة، أوْ تبديلِ خطابٍ بلا تغييرِ الهدف، فإسكاتٌ صوت ليظهرَ صوتا آخر، وكأنك أغلقتْ نافذةْ البيت؛ لأنك لمْ تحتملْ الضجيج، بينما البابُ الرئيسُ مفتوح على مصراعيه. الأكثرُ إثارةً للسخريةِ أنَ بعضَ أصحابِ الأفاعي، ذات الرأسينِ يحبون، أنْ يقدموا أنفسهمْ باعتبارهمْ رجالَ إطفاء. يشعلونَ الحريقَ منْ جهة، ثمَ يأتونَ منْ الجهةِ الأخرى بخرطومِ ماءٍ أمامَ الكاميرات.
      يقفونَ بكلِ براءةٍ ليسألوا: منْ أشعلَ النار؟ هنا، لا بدَ منْ الاعترافِ بأنَ للأفعى ذات الرأسينِ ميزة لا تملكها الأفاعي العادية، إذا اتهمَ رأسها الأول، تكلمُ الرأسِ الثاني عنْ السلام، وإذا أحرجَ الرأس الثاني، تكلمَ الأول عنْ الأمن، وإذا سئلا معا، قالا: إنَ المشكلةَ (معقدة ) ، والكلمة (معقدة) في السياسة، تصلحُ أحيانا لأنْ تكونَ غطاء أنيقا جدا لشيءٍ بسيطٍ للغاية. فليسَ كلّ ما يسمى " تعقيدا " معقدا، أحيانا تكونُ الحقيقةُ واضحة، لكنَ الاعترافَ بها مكلف. 
    هناكَ سؤال أكبر: ماذا لوْ كانتْ الأفعى ذات الرأسينِ ليستْ وحدها؟ ماذا لوْ كانَ وراءها أفعى أخرى؟ وهذهِ وراؤها ثالثة؟ وماذا لوْ كانتْ المشكلة في النهايةِ ليستْ أفعى أصلا، وإنما حديقة كاملة مليئة بالأفاعي، وكلّ واحدةٍ منها ترتدي قناعا دبلوماسيا؟
عندها يصبحُ البحث عنْ (رأسِ الأفعى) مضيعةً للوقت. لأنك إذا قطعتْ رأسا، خرجتْ عشرةْ رؤوسٍ منْ مكانٍ آخر، ولذلك، فإنَ الدولَ التي تدخلُ في النزاعاتِ الطويلةِ لا ينبغي أنْ تسألَ فقط: منْ بدأ؟ بل: منْ يستفيد؟ منْ يمول؟ منْ يسلح؟ منْ يحمي؟ منْ يفاوض؟ ومنْ يملكُ القدرةَ على إيقافِ كلِ ذلك، لكنهُ يفضلُ أنْ تبقى النارُ مشتعلةً بدرجةٍ تكفي لإضعافِ خصمهِ ولا تكفي لإحراقِ بيته؟ وهذهِ الأسئلة، رغمَ بساطتها، أكثرُ إزعاجا منْ السؤالِ التقليدي: منْ هوَ الشرير؟ لأنَ الشريرَ في القصصِ القديمةِ كانَ رجلاً واحدا، بوجهٍ واحد، وقبعة سوداء.
       ا في السياسةِ الحديثة، يأتي الشريرُ ببدلةٍ رسمية، ويتحدثُ ثلاثَ لغات، ويصدرُ بيانا يدعو فيهِ إلى السلامِ والاستقرار، لهذا، إذا كانتْ الأفعى ذات رأسٍ واحد، فقدْ يكونُ قطعُ رأسها نهايةَ الحكاية.
   أما إذا كانتْ ذات رأسين، فلا تتعجلُ الاحتفال. تأكدَ أولاً أنَ الرأسَ الذي قطعتهُ هوَ الذي يحركُ الجسد. وتأكدَ أنَ الرأسَ الآخرَ ليسَ مجردَ بديلٍ احتياطي. وتأكد، قبلَ كلِ شيء، أنَ ما تراهُ أمامك هوَ الأفعى نفسها، لا ظلها. 
     أن أخطرَ ما في الأزماتِ ليسَ أنْ يكونَ لها رأسان، الأخطر؛ أنْ يقتنعَ الجميع بأنهما رأسانِ منفصلان، بينما الجسدُ واحد، وحينها قدْ يقضي العالمُ سنوات، وهوَ يتفاوضُ معَ الرأسِ الأول، ويحاربُ الرأس الثاني، ويبحثُ عنْ رأسٍ ثالثٍ … بينما الأفعى، في مكانٍ ما، تضحك، لأنها تعرفُ الحقيقة، التي لا يريدُ أحدٌ أنْ يقولها: المشكلةُ لمْ تكنْ يوما في عددِ الرؤوس.

✦ كتابات في الميزان ✦

يحوّل المقال صورة «الأفعى ذات الرأسين» إلى استعارة سياسية ذكية تكشف كيف تتعدد الخطابات بينما تبقى المصالح والجبهة المحرّكة واحدة. وبأسلوب ساخر ومشحون بالأسئلة، يدعو القارئ إلى تجاوز التصريحات العلنية والبحث عمّن يستفيد ويموّل ويحمي ويملك قرار إيقاف النزاع. قوة النص تكمن في وحدته الرمزية وتصاعد فكرته، وإن كان اختصار بعض التكرار سيمنحه إيقاعًا أشد وتأثيرًا أعمق. إنها رؤية تحذّر من الانشغال بتبديل الواجهات حين يظل الجسد السياسي نفسه يتحرك في الاتجاه ذاته.