إنقاذ القوة الشرائية للدينار العراقي وحماية المواطن

رؤية وطنية للانتقال من اقتصاد الاستهلاك إلى اقتصاد الإنتاج

يعاني المواطن العراقي من ارتفاع تكاليف المعيشة وتذبذب أسعار العديد من السلع، الأمر الذي يجعل زيادة الرواتب وحدها غير كافية ما لم تترافق مع سياسة اقتصادية تحافظ على القوة الشرائية للدينار وتدعم الإنتاج المحلي.

ومن هنا تأتي الحاجة إلى مشروع وطني متكامل لحماية القوة الشرائية للدينار العراقي واستقرار أسعار السلع الأساسية.

أولاً: الفئات النقدية الصغيرة

دراسة إعادة إصدار فئات نقدية صغيرة مثل 25 و50 و100 و250 و500 دينار، بما يسهل التعاملات اليومية ويساعد على تسعير السلع بدقة.

ولا يعني ذلك ضخ أموال جديدة في السوق، وإنما توفير فئات نقدية مناسبة للتداول وفق سياسة نقدية مدروسة من البنك المركزي العراقي.

ثانياً: سلة وطنية للسلع الأساسية

تحديد سلة من السلع الضرورية للمواطن، مثل:

الرز، الطحين، السكر، الزيت، الحليب، البيض، الدجاج، اللحوم، البقوليات والخضروات.

وتحديد أسعار استرشادية لها، مع إمكانية وضع سقوف سعرية مؤقتة عند حدوث ارتفاعات غير مبررة، مع مراعاة كلفة الإنتاج والتجارة.

ثالثاً: معالجة أسباب ارتفاع الأسعار

لا يكفي مطالبة التاجر بخفض السعر، بل يجب تخفيض كلفة السلعة من مصدرها من خلال:

* دعم الزراعة والإنتاج المحلي.
* توفير المياه والطاقة للمزارعين.
* تطوير التخزين والتبريد.
* تحسين النقل.
* دعم الصناعات الغذائية.
* تقليل حلقات الوساطة بين المنتج والمستهلك.

رابعاً: من الزراعة إلى الصناعة الغذائية

يجب ألا ينظر إلى المحصول الزراعي على أنه مادة خام للبيع فقط، بل باعتباره أساساً لصناعة وطنية متكاملة.

فعلى سبيل المثال، عند زيادة إنتاج الطماطم يمكن تحويل الفائض إلى:

معجون الطماطم، صلصة الطماطم، عصير الطماطم والطماطم المجففة.

وكذلك يمكن تطوير صناعة التمور وتحويلها إلى:

دبس التمر، معجون التمر، السكر السائل ومنتجات غذائية وحلويات مختلفة.

كما يمكن استثمار الفواكه المحلية في إنتاج المربيات الطبيعية مثل مربى المشمش والتين والفراولة والبرتقال والتمر.

وبذلك يتحول الفائض الزراعي من محصول معرض للتلف إلى منتج صناعي ذي قيمة مضافة.

خامساً: دور معامل ومشاريع العتبات المقدسة

يمكن لمعامل ومشاريع العتبات المقدسة أن تسهم، ضمن الأطر القانونية والاقتصادية، في دعم الإنتاج الوطني والصناعات الغذائية، من خلال توسيع المشاريع الزراعية والغذائية وتشجيع التصنيع المحلي.

ويمكن أن تشمل المجالات:

* تصنيع المنتجات الزراعية.
* إنتاج معجون وصلصة الطماطم.
* تصنيع وتعبئة التمور ومشتقاتها.
* إنتاج المربيات الطبيعية.
* تجفيف وحفظ الخضروات والفواكه.
* تصنيع الألبان ومشتقاتها.
* دعم المشاريع الصغيرة والأسر المنتجة.

كما يمكن أن تسهم هذه المشاريع في التدريب وتطوير المهارات وخلق فرص العمل، مع ضرورة الالتزام بالشفافية والكفاءة والمنافسة العادلة والتكامل مع القطاع الخاص.

سادساً: حماية المنتج العراقي

ينبغي أن تنتقل السياسة الاقتصادية تدريجياً من اقتصاد الاستيراد والاستهلاك إلى اقتصاد الإنتاج والتصنيع والتصدير.

فدعم المزارع لا يكون فقط بمنحه المال، وإنما بتوفير:

الماء + الطاقة + البذور + الأسمدة + التخزين + التصنيع + التسويق.

وبذلك يحصل المزارع على سعر عادل، ويحصل المستهلك على منتج مناسب السعر، ويستفيد الاقتصاد الوطني من القيمة المضافة.

سابعاً: منصة وطنية للأسعار

إنشاء منصة وطنية إلكترونية لأسعار السلع الأساسية تعرض الأسعار اليومية أو الدورية في المحافظات العراقية.

وتساعد هذه المنصة المواطن على معرفة السعر العادل، كما تساعد الدولة على اكتشاف الاحتكار والمضاربة والارتفاعات غير المبررة.

ثامناً: حماية رواتب الموظفين والمتقاعدين

المعيار الحقيقي لتحسن الوضع الاقتصادي ليس مقدار الراتب بالدينار فقط، وإنما:

ماذا يستطيع المواطن أن يشتري بهذا الراتب؟

لذلك يجب أن تهدف السياسة الاقتصادية إلى المحافظة على القوة الشرائية لرواتب الموظفين والمتقاعدين وذوي الدخل المحدود، وعدم السماح بأن تؤدي زيادة الأسعار إلى ابتلاع أي زيادة في الدخل.

تاسعاً: لا لطباعة النقود كحل للتضخم

إن معالجة التضخم لا تكون بطباعة المزيد من النقود دون زيادة مقابلة في الإنتاج.

بل يجب أن تقوم السياسة الاقتصادية على:

استقرار نقدي + زيادة الإنتاج + دعم الصناعة والزراعة + مكافحة الاحتكار + ترشيد الإنفاق + تنويع مصادر الدخل.

الخلاصة

إن حماية القوة الشرائية للدينار العراقي لا تتحقق بإجراء واحد، وإنما من خلال منظومة اقتصادية وطنية متكاملة تجعل المواطن والمنتج العراقي في مركز السياسة الاقتصادية.

العراق يمتلك الأرض والمياه والخبرات والموارد البشرية والثروات الطبيعية، ويستطيع أن ينتقل تدريجياً من بلد يستورد الكثير من احتياجاته إلى بلد ينتج غذاءه، ويصنع مواده الأولية، ويشغل أبناءه، ويصدر الفائض إلى الأسواق الخارجية.

فالهدف ليس فقط أن يحصل المواطن على راتب أكبر، وإنما أن يستطيع شراء المزيد بهذا الراتب.

ومن هنا نقترح دراسة إنشاء:

“المشروع الوطني لحماية القوة الشرائية للدينار العراقي واستقرار أسعار السلع الأساسية ودعم الإنتاج الوطني.”

إن بناء اقتصاد قوي يبدأ من المزرعة والمصنع والعامل والمستهلك، وليس من النفط وحده..

✦ كتابات في الميزان ✦

يطرح المقال رؤيةً اقتصادية متكاملة لحماية القوة الشرائية للدينار، تنطلق من أن زيادة الرواتب لا تحقق أثرها ما لم يرافقها استقرار الأسعار ونمو الإنتاج. ويربط بين دعم الزراعة وتطوير الصناعات الغذائية وحماية المنتج المحلي، لتحويل المحاصيل من مواد خام سريعة التلف إلى منتجات ذات قيمة مضافة. فالانتقال من الاستهلاك إلى الإنتاج يبدأ من المزرعة والمصنع، وينتهي بدخلٍ يحفظ للمواطن قدرته على العيش الكريم.

الدينار_الاموال_الدولة.jpg