مفارقاتُ الحياةِ … بينَ دفءِ الكلماتِ وبرودةِ المواقفِ 

 في هذا العصرِ الذي تتسابقُ فيهِ الرسائلُ، قبلَ أنْ تستيقظَ الشمس، أصبحَ الصباحُ يبدأُ برنينِ الهاتفِ أكثر مما يبدأُ بزقزقةِ العصافير، تتدفقُ إلينا عشراتُ رسائلَ صباحُ الخيرِ ، تحملُ صور الورود، وألوان الطبيعة، وأكواب القهوةِ التي يتصاعدُ منها بخارٌ افتراضيٌ لا رائحةً له، ترافقها ألحانُ فيروز التي توقظُ في القلبِ حنينا، أوْ مقاطعَ منْ أمِ كلثومَ تفيضُ شجنا، أوْ أغنياتٍ عراقيةً عذبةً تمجدُ دجلة والنخيل وأرض الرافدين، أوْ موسيقى هادئة تهمسُ بأنَ العالمَ ما زالَ جميلا.
    يقرأُ المرءُ تلكَ الرسائل، فيبتسم، ويشعر، ولوْ للحظات، بأنهُ محاطٌ بمحبةٍ واسعة، وأنَ اسمهُ يمر كلَ صباح في ذاكرةِ عشراتِ الأصدقاءِ والأقارب، فيردُ برسائلَ أجمل، وصورٍ أكثرَ إشراقا، ودعواتٍ أطيب، ويحدثُ نفسه أنَ هذهِ العلاقاتِ الإنسانيةَ ما زالتْ بخير، وأنَ الخيرَ لا يزالُ يسكنُ القلوب، ثمَ تأتي الجمعة، فتغمرهُ سيل منْ الآياتِ الكريمةِ والأحاديثِ الشريفةِ والأدعيةِ المباركة. يصبحُ هاتفه أشبهُ بمحرابٍ صغيرٍ يفيضُ بالنور، وكلّ رسالةٍ تدعو لهُ بالصحة، وطولَ العمر، والرزق، وراحةِ البال
     يشعرُ بأنَ المحبةَ، قدْ اتخذتْ هيئةٌ كلمات، وأنَ الدعاءَ أصبحَ لغةَ الناسِ المشتركة، حينَ تحلُ الأعياد الدينية، تتضاعفُ التهنئاتُ والتبريكات، وتتسابقُ العباراتُ في تمني السعادةِ والهناء، حتى ليخالَ المرءُ أنهُ محمولٌ على أكتافِ الدعوات، وأنهُ أقربُ إلى السماءِ منْ كثرةِ ما يقالُ له: " تقبلَ اللهُ طاعاتكم، وكلُ عامٍ وأنتمْ بخير، وجعلكمْ اللهُ منْ السعداء. فيفرح، ويظنُ أنَ هذهِ الروابطَ المتينةَ ستكونُ حاضرةً حينَ يشتدُ عليهِ الزمان.
إن الحياة، بطريقتها القاسية، تحبُ أنْ تضعَ الكلماتِ في امتحانِ الأفعال، فما إنْ يتعرضْ الإنسانُ لضائقةٍ مالية، حتى يخفتَ ضجيجُ الرسائل، ويغيبَ معظم الذينَ كانوا يملئونَ هاتفه- صباحا ومساء- . 
 لا تصلهُ سوى عبارةٍ قصيرةٍ محفوظة: اللهُ يفرجها عليك "، أوْ " الله يرزقك "، ثمَ ينتهي الحديث. كلماتٌ جميلةٌ في معناها، لكنها تبقى عاجزةً إذا لمْ يسندها موقف، أوْ مبادرة، أوْ يد تمتد؛ لتخففٍ شيئا منْ ثقلِ الحاجة.
   ليسَ المطلوب أنْ يحملَ الناسُ، همومَ بعضهمْ جميعا، ولا أنْ يتحولوا إلى منقذينَ لكلِ أزمة، ولكنَ الإنسان، في لحظاتِ عوزه، لا يبحثُ عنْ المعجزات، بلْ عنْ صدقِ المشاعر. أحيانا تكونُ الزيارة، أوْ السؤال، أوْ المساهمة بما يستطيعُ المرء، أعظم أثرا منْ آلافِ الرسائلِ المزخرفة. ثمَ يأتي المرض، وهوَ أكثرُ الاختباراتِ صدقا للعلاقات. هنا يكتشفُ الإنسانُ أنَ قائمةَ الأسماءِ الطويلةِ في هاتفهِ لا تعني بالضرورةِ قائمةً طويلةً منْ الرفاق.
    إن كثيرٌ من الناس يخشونَ الزيارة، وبعضهمْ يبررُ غيابهُ بالانشغال، وآخرينَ يكتفونَ برسالةٍ مقتضبة: " سلامتك "، وكأنَ المرضَ قدْ أصبحَ عبئا يخشى الناسُ الاقترابَ منه، لا خوفا منْ العدوى فحسب، بلْ خوف منْ أنْ يطلبَ المريضُ دواء، أوْ يحتاجُ إلى خدمة، أوْ يثقلُ عليهمْ بشيءٍ منْ واجبِ الإنسانية. 
  أما أهله، الذينَ أصبحوا يواجهونَ الفقدَ والفراغ، فقدْ لا يجدونَ إلا القليل ممنْ يطرقُ أبوابهم، أوْ يجلسُ معهم، أوْ يشاركهمْ حزنهم. حتى قراءةِ الفاتحة، التي كانتْ يوم عنوان للمواساة، يؤجلها البعض إلى زيارةٍ قدْ لا تأتي، وكأنَ الزمنَ يمتدُ إلى يومِ القيامة. 
  هنا تتجلى إحدى أكبرِ مفارقاتِ عصرنا: لقدْ أصبحَ التعبيرُ عنْ المشاعرِ أسهلَ منْ ممارستها. ضغطةُ زرٍ تستطيعُ أنْ ترسلَ بها مئةْ رسالة، لكنَ خطوةً واحدة إلى بيتٍ محتاج، أوْ ساعةً تقضيها معَ مريض، أوْ يدٍ تمتدُ لمساعدةِ متعثر، أصبحتْ عندَ بعضِ الناسِ أثقل منْ الجبال.
   لقدْ منحتنا التقنيةُ وسائلَ مذهلةً للتواصل، لكنها لمْ تضمنْ لنا عمق العلاقات، فالكلمات، مهما كانتْ جميلة، تبقى ظلالاً للأفعال. والدعاء، مهما كانَ صادقا، لا يمنعُ أنْ يرافقهُ عملٌ صالحٌ إذا كانَ الإنسانُ قادرا عليه، فاللهُ سبحانهُ جعلَ للرحمةِ صورا كثيرة، منها الكلمة الطيبة، ومنها الصدقة، ومنها المواساة، ومنها قضاء حاجةِ الناس، ومنها الابتسامة، ومنها الزيارة، ومنها الوقوف معَ الإنسانِ حينَ يتخلى عنهُ الجميع.
   ليسَ العيبُ في رسائلِ الصباح، ولا في تهنئاتِ الأعياد، ولا في أدعيةِ الجمعة؛ فهيَ جميعا تحملُ معاني نبيلة، وقدْ تدخلُ السرورَ إلى القلوب. لكنَ المشكلةَ تبدأُ عندما تصبحُ هذهِ الرسائلُ بديلاً عنْ الواجبِ الإنساني، وعندما يظنُ الإنسانُ أنَ إعادةَ إرسالِ صورةٍ أوْ دعاءٍ قدْ أعفتهُ منْ مسؤوليةِ السؤال، أوْ الزيارة، أوْ المساعدة.
    إنَ العلاقاتِ الحقيقيةَ ، لا تقاسُ بعددِ الرسائل، ولا بعددِ الإعجابات، ولا بطولِ قوائمِ الأصدقاء، وإنما تقاسُ بمنْ يبقى إلى جوارك حينَ تنطفئُ الأضواء، ويغادرُ المصفقون، وتصبحُ في مواجهةِ الحياةِ وحدك. هناكَ فقطْ تعرفُ قيمةْ الإنسان، وهناكَ فقطْ تكتشفُ أنَ بعضَ الأشخاص، الذينَ لمْ يرسلوا لك يومَ صورةٍ ورد، قدْ يكونونَ أكثرَ وفاءِ ممنْ أغرقوك بالورودِ الافتراضية- كلَ صباح- . 
   لعلَ أجملَ ما يمكنُ أنْ نتعلمهُ منْ هذهِ المفارقاتِ أنْ نكونَ نحنُ الاستثناء. ألا نكتفي بالدعاء، ونحنُ قادرونَ على العطاء، ولا نكتفي بالسؤال، ونحنُ نستطيعُ الحضور، ولا نؤجلُ المواساة حتى يفوتَ أوانها. فالحياةُ قصيرة، وما يبقى في ذاكرةِ الناسِ ليسَ عدد الرسائلِ التي أرسلناها، بلْ عدد المراتِ التي كنا فيها سندا لهمْ عندما احتاجوا إلينا، فالكلماتُ قدْ تلامسُ الأذن، أما المواقف، فتسكنُ القلب. والكلماتُ تنسى معَ الأيام، أما المواقفُ الصادقة، فتبقى حية، يرددها الناسُ جيلاً بعدَ جيل، لأنها اللغةُ الوحيدةُ التي لا تحتاجُ إلى ترجمة، ولا إلى شبكةِ إنترنت، ولا إلى هاتفٍ ذكيٍ … إنها لغةُ الإنساني.
     في النهاية، حينَ يرحلُ الإنسانُ عنْ الدنيا، تتكررُ المفارقةُ الأخيرة، تمتلئُ صفحاتُ التواصلِ الاجتماعيِ بكلماتِ الرثاءِ والدعاء، وتنهالُ عبارات: " إنا للهِ وإنا إليهِ راجعون،- ورحمهُ الله- وأسكنهُ فسيح جناته.

✦ كتابات في الميزان ✦

يكشف المقال مفارقة مؤلمة في علاقات العصر الرقمي؛ فالكلمات الدافئة تتكاثر في الهواتف، بينما تتراجع المواقف الصادقة عند المرض والحاجة والفقد. ويؤكد أن قيمة العلاقات لا تُقاس بعدد الرسائل والتهاني، وإنما بالحضور والمساندة حين تشتد الحياة؛ فالكلمات تبهج لحظة، أما المواقف الإنسانية فتبقى في القلب.

الدفء.jpg