من دروس علوم الإدارة وتطبيقاتها في الحياة مررنا بمآثر وأقوال لا تزال تحفظها الذاكرة ، ومنها قول احدهم ( إذا أردت أن تصطاد السمك ، فليس عليك تجفيف النهر لتمسك ما فيه ، بل عليك استخدام الصنارة المناسبة والطعم الذي يجذب السمك لكي تكون صيادا ماهرا ، وتظفر بما تريد ) ، وتلك المقولة قريبة وقد ترتبط بما يتداول بوسائل التواصل الاجتماعي هذه الأيام ، بان الدولة تدرس موضوع تبديل عملة الدينار مقرونة بحذف الاصفار ، ووجه الارتباط بتلك المقول ما تم ذكره من أسباب ، والتي مفادها هو إسقاط الأموال المسروقة عن الفاسدين لصالح الدولة وحرمان من يدخرون السحت بالإخفاء ، بافتراض بان هذه العملية ستؤدي لعدم تمكين الفاسدين من تبديل المسروقات بهيئة نقد والتي تقدر ب( 5 – 10 ) تريليون دينار إلى الدينار الجديد .
ورغم إن ما تم ذكره لم يتم تأكيده ، لا من قبل البنك المركزي العراقي وهو الجهة المرجعية بإدارة النقد والإصدار ، ولا من مجلس الوزراء باعتباره الجهة التنفيذية للبلاد ، ولا من جهة التشريع من مجلس النواب ، ولان الدينار العملة الوطنية التي يتداول بها كل المواطنين ، فان ردود الأفعال تتنوع حسب قناعة الأفراد ، والبعض يؤيد فكرة تبديل العملة لأسباب وطنية ، أهمها إن تغيير العملة ( الصدامية ) إلى العملة الحالية لم يتم بقرار وطني ، لأنها تمت من قبل الحاكم المدني ( بول بريمر ) أثناء سريان قرار مجلس الأمن الدولي المتعلق ( بتحرير ) العراق ، ولمضي أكثر من 20 سنة على الإصدار ولمغادرة الاحتلال والتواجد الأمريكي ، فانه من المفضل أن تكون لنا عملة بقرارنا الوطني المحلي بعيدا عن كل الاملاءات ، والبعض يعطي بعدا نفسيا لتغيير العملة حين يذكرون إن ذكراها ترتبط بماسي الاحتلال وما تركه من خراب ودمار ، والبعض المعارض يطرح تساؤل ، لماذا يتم التغيير في مثل هذه الظروف المالية التي يمر بها وما يحيط ذلك من ظروف سياسية ؟ .
وإذا كان الموضوع جديا في التغيير ، فمن المؤكد بأنه لا يرتبط حصرا بمحاصرة الأموال ( المدفونة هنا او هناك ) ، وإنما له إبعادا محددة ، لان ما يتردد يقترن بحذف الاصفار والذي يعني إجراء تبديل جوهري في الفئات النقدية ، بان يتحول ال( 1000 ) دينار إلى ( 1 ) دينار بما يجعل الفئات ، بالفلس ( 250 ،500 ) ، وبالدينار ( 1، 5 ، 10 ، 25 ، 50 ) ، وهو تغيير يبسطونه بمجرد حذف الاصفار ، وذلك يتطلب إعادة طبع وإصدار ( 8 ) تريليون من فئات الأوراق النقدية الصادرة ، مع الإبقاء على الكتلة النقدية الحالية بتحويلها لما يقارب ( 100 ) مليار دينار بدلا من 100 تريليون ، وبغض النظر عن الجدوى والمسببات فإنها من العمليات الكبيرة ، التي تستغرق أشهر في الطباعة وسريان الاستبدال ، وتحتاج لجهاز فني كبير في البنك المركزي وما يرتبط به من مصارف ومؤسسات ، ومن المؤكد إن لها تكاليف ترتبط بالجدوى والمردودات .
وعملية تبديل العملة ليست غريبة ، وإنما معمول بها في العديد من البلدان ، وتركيا من دول المنطقة التي قامت بالتغيير المقترن بحذف الاصفار ، ولكن السائد بان مثل هذه العمليات تجري في الدول التي لها تضخم كبير بعملاتها الوطنية قياسا بأسعار الصرف مقابل العملات الأجنبية ومنها الدولار ، وإيران وسوريا قد يفيدها مثل هذا التغيير ، لان الاصفار عندهم تسبب إرباكا في الحسابات وفي التعامل اليومي والحجم لدى الناس والمؤسسات ، وبلدنا لم يشهد طفرة في التضخم المالي ، إذ لايزال الموضوع مسيطر عليه لحد ما ، بفضل ما يدخل البلد من مبيعات النفط بالدولار ، وحسب البيانات الرسمية فان التضخم بحدوده المعقولة وان كان يرهق محدودي ومعدومي الدخل ، ورغم الظروف الأمنية والسياسية التي تشهدها المنطقة التي سببت انخفاض صادرات النفط ، فان معدل التضخم ( حسب البيانات الحكومية ) لايزال بحدوده التي لم تزيد عن ( 5% ) ، ورغم كل ما يقال فان من المؤكد أن يكون لمتخذي القرار مسوغات مقنعة وكافية للتبديل ، إن تحول الموضوع لقرار بالفعل .
والناس يستبقون الأحداث ويطرحون عددا من الأمور ، أولها إن التغيير ( خارج الكتمان ) ، سينمي الرغبة لدى مكتنزي الأموال ( حلالا أم حرام ) ، للإسراع في تحويل سيولتهم النقدية إلى الدولار او الذهب او العقارات او النفائس ، وكل ذلك سيولد طلبا يرفع الأسعار ، وربما ينعكس ذلك على معيشة الناس سيما وان الدولرة سائدة في الأسواق ، ولا تزال أسعار الدولار الموازي ( السوداء ) 1540 دينار ، وهي أعلى من السعر الرسمي 1320 منذ سنوات ، ثانيا ما هي الضمانات بان تحصل الدولة على الأموال المخفية دون يسارع أصحابها ( وهم من عتاة الفساد ) او المرتبطين بهم لتحريرها بطريفة ما ، وثالثا أن التغيير وان كان لا يؤثر على الملكيات ، لكنه قد يترك شعورا بضآلة المردود عند بعض الفئات ، وهي مسالة نفسية ومن المحتمل أن تصيب من يقبض راتب الرعاية الذي سيتحول إلى 170 دينار او راتب العامل بحده الأدنى الذي يبلغ 350 دينار بعد حذف الاصفار ، رابعا إن بعض الفقرات ستتأثر اعتباريا من التغيير ومنها مثلا ، السعر الاسمي لإصدار السهم في العراق الذي هو دينار واحد وستكون قيمته ( فلس ) ، خامسا ان رفه الاصفار سينشأ صعوبات حسابية في المقارنة التاريخية وقد يشجع على الفساد .
والخلاصة ، إن قرارا مهما من هذا النوع ويحصل للمرة الأولى في تاريخ البلاد ، يتطلب التمعن والمراجعة والتحليل ، من حيث التكلفة والجدوى والمردود والأثر على الاقتصاد الوطني الذي يعاني الركود ، وعلى قبول المواطن ، ومن الضروري جدا التحسب المبكر لما يتوقع من عمليات غسيل الأموال ، وتداعياتها على العرض والطلب ، دون إهمال الأبعاد المعنوية والنفسية للمتداولين بالنقد ، نقول كل ذلك إن كان الخبر يقينا او توقعات ، دون إهمال الطريقة الأفضل للصياد .
✦ كتابات في الميزان ✦
يتناول المقال ما يُتداول عن احتمال تبديل العملة العراقية وحذف ثلاثة أصفار منها، مؤكدًا أن الأمر ما زال غير مثبت رسميًا. ويناقش المنافع المحتملة للعملية مقابل تكاليفها ومخاطرها الاقتصادية والنفسية، ولا سيما المضاربة بالدولار والذهب ومحاولات غسل الأموال. ويخلص إلى أن قرارًا نقديًا بهذا الحجم يحتاج إلى دراسة معمقة وشفافية وضمانات تحمي الاقتصاد والمواطن، بعيدًا عن التعامل معه بوصفه وسيلة سهلة لملاحقة الأموال المخفية.
