نحو اقتصاد عراقي قادر على حماية رواتب الموظفين والمتقاعدين والرعاية الاجتماعية

نحو اقتصاد عراقي قادر على حماية رواتب الموظفين والمتقاعدين ودعم الرعاية الاجتماعية

رؤية اقتصادية وطنية للانتقال من اقتصاد النفط والإنفاق إلى اقتصاد الإنتاج والتنمية

يواجه الاقتصاد العراقي تحدياً كبيراً يتمثل في الاعتماد المرتفع على النفط لتمويل الموازنة العامة، في الوقت الذي تتزايد فيه التزامات الدولة تجاه الموظفين والمتقاعدين والرعاية الاجتماعية والخدمات العامة.

ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: كيف نزيد الرواتب؟ وإنما: كيف نبني اقتصاداً قوياً يستطيع أن يوفر رواتب كريمة ومستدامة للموظفين والمتقاعدين، ويحمي الفئات الفقيرة، ويمول الصحة والتعليم والكهرباء والماء والبنية التحتية، من دون أن يبقى العراق رهينة لتقلبات أسعار النفط؟

إن الحل يكمن في الانتقال التدريجي من اقتصاد يعتمد على توزيع الإيرادات النفطية إلى اقتصاد منتج ومتعدد المصادر.

أولاً: النفط ثروة للأجيال وليس راتباً شهرياً

يمتلك العراق ثروة نفطية هائلة، ولكن المشكلة ليست في النفط نفسه، وإنما في الاعتماد شبه الكامل عليه في تمويل الدولة.

ولهذا يجب أن تتحول السياسة النفطية من مجرد تصدير النفط الخام إلى استخدام جزء من هذه الثروة لبناء قطاعات إنتاجية جديدة.

فالنفط يمكن أن يمول:

* المصافي الحديثة.
* الصناعات البتروكيمياوية.
* مصانع الأسمدة.
* الصناعات البلاستيكية.
* الصناعات النفطية التحويلية.
* مشاريع الغاز.
* الكهرباء والطاقة المتجددة.
* البنية التحتية.

وبذلك يتحول النفط من مصدر للإنفاق الجاري إلى رأس مال لبناء اقتصاد مستدام.

ثانياً: إنشاء صندوق سيادي عراقي

من الضروري إنشاء صندوق سيادي وطني مستقل وشفاف، يخصص له جزء ثابت من إيرادات النفط، خصوصاً في سنوات ارتفاع الأسعار.

وتكون مهمته:

1. حماية الموازنة عند انخفاض أسعار النفط.
2. ضمان استمرار دفع الرواتب والتقاعد والرعاية الاجتماعية.
3. استثمار جزء من الأموال في مشاريع إنتاجية.
4. تكوين احتياطي للأجيال القادمة.

وبذلك لا تضطر الدولة إلى الاقتراض أو تخفيض الخدمات عندما تنخفض أسعار النفط.

ثالثاً: زيادة الإيرادات غير النفطية

العراق يمتلك مصادر دخل كبيرة غير مستغلة بالشكل الصحيح.

ومن أهمها:

* الضرائب.
* الجمارك.
* المنافذ الحدودية.
* الاتصالات.
* المصارف.
* النقل والترانزيت.
* السياحة الدينية.
* السياحة الأثرية.
* الصناعة.
* الزراعة.
* الخدمات.

ولكن زيادة الإيرادات يجب ألا تكون من خلال فرض أعباء إضافية على المواطن محدود الدخل، وإنما من خلال توسيع القاعدة الاقتصادية ومكافحة التهرب والفساد والاقتصاد غير الرسمي.

فبدلاً من زيادة الضريبة على الموظف، يجب أولاً ضبط الشركات الكبيرة والأنشطة التجارية الكبرى والتهرب الجمركي والضريبي.

رابعاً: إصلاح المنافذ الحدودية

المنافذ الحدودية يمكن أن تكون مصدراً مهماً للإيرادات إذا أُديرت بصورة إلكترونية وشفافة.

ويجب اعتماد:

نظام جمركي إلكتروني موحد

يربط:

المنافذ الحدودية ← الجمارك ← الضرائب ← المصارف ← وزارة المالية.

ويجب أن تكون قيمة البضائع وفواتيرها وحركة الأموال قابلة للتدقيق إلكترونياً، مع تشديد الرقابة على التلاعب بالبيانات والتهريب.

خامساً: بناء اقتصاد صناعي عراقي

لا يمكن للعراق أن يبقى مستورداً لمعظم احتياجاته بينما يمتلك النفط والغاز والموارد الطبيعية ورأس المال البشري.

لذلك يجب وضع برنامج وطني للصناعة يركز على:

* الصناعات الغذائية.
* الأدوية.
* الأسمدة.
* الحديد والصلب.
* مواد البناء.
* البلاستيك.
* الزجاج.
* الأجهزة الكهربائية.
* الصناعات البتروكيمياوية.
* إعادة تدوير النفايات.

ويكون دور الدولة هو توفير الأرض والبنية التحتية والكهرباء والتمويل الميسر والحماية القانونية، بينما يتولى القطاع الخاص الإنتاج والإدارة والمنافسة.

سادساً: الزراعة والأمن الغذائي

إن دعم الزراعة ليس مجرد سياسة اجتماعية، بل هو سياسة اقتصادية وأمن قومي.

يجب أن يعمل العراق على تقليل استيراد الغذاء من خلال تطوير:

* الحنطة والشعير.
* الذرة.
* الخضروات.
* التمور.
* الدواجن.
* البيض.
* اللحوم.
* الأسماك.

ثم الانتقال من بيع المنتجات الزراعية الخام إلى تصنيعها.

فالتمور، على سبيل المثال، يمكن أن تتحول إلى صناعات غذائية متعددة بدلاً من تصديرها كمادة خام فقط.

سابعاً: الكهرباء يجب أن تتحول من عبء إلى قوة اقتصادية

لا يمكن بناء اقتصاد قوي من دون كهرباء مستقرة.

ولهذا يجب الإسراع في:

* استثمار الغاز المصاحب.
* تطوير محطات الطاقة.
* إدخال مشاريع الطاقة الشمسية.
* تحديث شبكات النقل والتوزيع.
* تقليل الضياع الفني.
* مكافحة التجاوزات.
* تركيب العدادات الذكية.
* تحسين الجباية بصورة عادلة.

وفي الوقت نفسه يجب أن يكون دعم الكهرباء موجهاً إلى الفئات محدودة الدخل، بدلاً من تقديم الدعم بصورة غير موجهة يستفيد منه المستهلك الكبير أيضاً.

ثامناً: حماية الموظف وعدم تحميله ثمن الإصلاح

الإصلاح الاقتصادي لا يعني تخفيض رواتب الموظفين الحاليين أو المساس بحقوقهم القانونية.

المطلوب هو إصلاح نمو فاتورة الرواتب مستقبلاً.

ويكون ذلك من خلال:

* وقف التعيينات العشوائية.
* اعتماد التعيين على الحاجة الفعلية.
* تطوير القطاع الخاص.
* إحلال التقاعد الطبيعي بصورة مدروسة.
* منع الرواتب المزدوجة غير القانونية.
* مكافحة الوظائف الوهمية.

وبذلك نحافظ على حقوق الموظف الحالي، وفي الوقت نفسه نمنع تضخم الجهاز الحكومي إلى مستويات لا يستطيع الاقتصاد تحملها.

تاسعاً: المتقاعد يستحق الحماية

المتقاعد الذي أمضى سنوات من عمره في خدمة الدولة والمجتمع يجب أن يكون بعيداً عن آثار الإصلاحات المالية القاسية.

ويجب أن تكون هناك سياسة واضحة لحماية أصحاب الرواتب التقاعدية المنخفضة والمتوسطة، مع مراجعة حالات التقاعد غير المستحق والرواتب المزدوجة وفق القانون.

كما يجب إنشاء صندوق وطني مستدام للتقاعد تكون موارده واستثماراته خاضعة لرقابة مالية وقانونية صارمة.

فالهدف ليس تقليل حقوق المتقاعد، وإنما ضمان أن تبقى حقوقه موجودة بعد عشرين وثلاثين سنة أيضاً.

عاشراً: الرعاية الاجتماعية من الإعانة إلى التمكين

الرعاية الاجتماعية ضرورة إنسانية واقتصادية، ولكن يمكن تطويرها من خلال الجمع بين الحماية والتمكين.

فالفئات التي لا تستطيع العمل يجب أن تستمر في الحصول على الدعم.

أما القادرون على العمل فيمكن توفير:

تدريب مهني + قرض ميسر + مشروع صغير + متابعة + إعفاءات مؤقتة.

وبذلك يتحول جزء من الإنفاق الاجتماعي إلى وسيلة لخلق فرص عمل وتحويل الأسرة من مستفيدة من الإعانة إلى أسرة منتجة.

الحادي عشر: إنشاء بنك التنمية العراقي

العراق بحاجة إلى مؤسسة مالية قوية مخصصة لتمويل الإنتاج وليس الاستهلاك.

ويتم توجيه التمويل إلى:

* المصانع.
* المشاريع الزراعية.
* المشاريع الصغيرة والمتوسطة.
* الطاقة الشمسية.
* الصناعات الغذائية.
* مشاريع المياه.
* تدوير النفايات.
* المشاريع التكنولوجية.

مع رقابة صارمة تمنع تحويل القروض إلى باب للمحسوبية والفساد.

الثاني عشر: مكافحة الفساد من خلال النظام وليس الشعارات

مكافحة الفساد يجب ألا تكون مجرد حملات إعلامية أو إجراءات مؤقتة.

يجب بناء منظومة تمنع الفساد قبل حدوثه.

وذلك من خلال:

مناقصة إلكترونية → عقد معلن → تكلفة معلنة → شركة منفذة → نسبة إنجاز → دفعات مرتبطة بالإنجاز → تدقيق إلكتروني.

ويجب أن يستطيع المواطن معرفة تكلفة المشاريع الحكومية ونسبة إنجازها والجهة المنفذة لها.

الثالث عشر: الاستثمار في الإنسان

أكبر ثروة في العراق ليست النفط فقط، وإنما الإنسان العراقي.

لذلك يجب توجيه الاستثمار إلى:

* التعليم.
* الجامعات.
* التعليم المهني.
* التدريب التقني.
* الصحة.
* البحث العلمي.
* التكنولوجيا.

ويجب أن يكون التعليم مرتبطاً بسوق العمل حتى لا تتخرج أعداد كبيرة من الشباب بتخصصات لا توفر لهم فرصاً حقيقية.

الرابع عشر: تحويل العراق إلى مركز تجاري إقليمي

موقع العراق الجغرافي يمكن أن يكون مصدراً مهماً للدخل.

فالعراق يقع بين الخليج وبلاد الشام وتركيا وإيران، ويمكنه تطوير:

* الموانئ.
* السكك الحديدية.
* الطرق الدولية.
* التخزين.
* النقل البري.
* الخدمات اللوجستية.
* الترانزيت.

وبذلك يمكن أن يتحول العراق من بلد مستورد إلى مركز تجاري ولوجستي إقليمي.

كيف نستخدم الإيرادات الجديدة؟

إذا استطاعت الدولة من خلال الإصلاحات الاقتصادية زيادة إيراداتها غير النفطية تدريجياً بمبالغ كبيرة، فلا ينبغي أن تذهب كل الزيادة إلى الإنفاق الجاري.

يمكن توجيه الإيرادات الجديدة بصورة تقريبية إلى:

* 20% للتقاعد والرعاية الاجتماعية.
* 15% للصحة والتعليم.
* 25% للصناعة والزراعة.
* 15% للكهرباء والمياه.
* 15% للبنية التحتية.
* 10% لصندوق الاستقرار المالي.

وبذلك يصبح كل دينار إضافي وسيلة لبناء مصدر دخل جديد، وليس مجرد إنفاق ينتهي خلال سنة واحدة.

الهدف خلال عشر سنوات

إن العراق يستطيع، إذا توفرت الإرادة السياسية والإدارة المهنية والرقابة الحقيقية، أن ينتقل خلال عقد من الزمن من:

نفط → موازنة → رواتب → استيراد

إلى:

نفط + غاز + صناعة + زراعة + سياحة + نقل + استثمار + تجارة → إنتاج → وظائف → ضرائب وإيرادات → رواتب وتقاعد ورعاية اجتماعية وخدمات.

وهنا تكمن الاستدامة الحقيقية.

الخلاصة

إن حماية الموظف والمتقاعد والفقراء لا تتحقق بمجرد زيادة الرواتب، كما أن الإصلاح الاقتصادي لا يعني تحميل المواطن الفقير ثمن أخطاء الدولة.

الإصلاح الحقيقي هو أن نبني اقتصاداً يستطيع أن يمول الدولة بنفسه.

نريد دولة قوية اقتصادياً، وموظفاً يعيش بكرامة، ومتقاعداً آمناً، وفقيراً محمياً، وشاباً يجد فرصة عمل، وقطاعاً خاصاً منتجاً، وصناعة وزراعة قادرتين على المنافسة.

إن ثروة العراق النفطية يجب أن تكون وسيلة لبناء المستقبل، لا مجرد وسيلة لتمويل الحاضر.

والنجاح الحقيقي لأي حكومة عراقية في السنوات القادمة يجب ألا يقاس فقط بحجم الموازنة، وإنما بقدرتها على الإجابة عن سؤال بسيط:

هل يستطيع العراق بعد عشرين عاماً أن يدفع رواتب موظفيه ومتقاعديه ويحمي فقرائه حتى لو انخفض سعر النفط؟

إذا كانت الإجابة نعم، فنحن نسير نحو اقتصاد قوي ومستدام.

أما إذا بقيت الدولة تعتمد على النفط لتمويل معظم نفقاتها، فإن أي انخفاض كبير في أسعار النفط سيبقى تهديداً مباشراً للموازنة والرواتب والخدمات.

العراق لا يحتاج إلى ثروة جديدة بقدر ما يحتاج إلى إدارة أفضل للثروة التي يمتلكها، وتحويلها من استهلاك إلى إنتاج، ومن إيرادات مؤقتة إلى اقتصاد مستدام يخدم جميع العراقي

رواتب.jpeg