يبدو أن «الكنجينة» فضحت عشقي الكبير للكتب التي تصدر عن بحوث ودراسات تُقدَّم في المهرجانات الفكرية، وخاصة المهرجانات التي تحفل بسِيَر الأئمة المعصومين ومنجزاتهم الفكرية والإنسانية والتاريخية.
وفي مهرجان ربيع الشهادة الثالث عشر، أُنجزت بحوث ودراسات وكتب أنعشت المكتبة الإسلامية بتنوع فكري معاصر. قرأت من ضمن هذه البحوث منجزاً للدكتور عباس فاضل السراج، فوجدت أن استقرار البحث، من حيث التمكن الأدائي، منح الباحث قدرات إبداعية تسوّغ الانتماء الجدي إلى معناه وهويته البحثية.
وبحوث مهرجانات ربيع الشهادة امتلك الكثير منها آفاقاً نفسية وروحية وفنية، وبحث الدكتور عباس فاضل السراج المعنون: «أيديولوجية الجماعات التي تتبنى التطرف والإرهاب، وتصدي أهل البيت (عليهم السلام) لهم/ ثورة الإمام الحسين أنموذجاً»، سعى فيها لإظهار المعنى الحقيقي للإرهاب الذي تعرض له أهل البيت (عليهم السلام).
التطرف لم يكن سمة مستحدثة، وإنما هو أبنية العنف التكفيري، والذي عانى منه رسول الرحمة (صلوات الله عليه وعلى أهل بيته الطاهرين)، وانتهاءً بأتباع أهل البيت (عليهم السلام). اشتد الإرهاب على أفكار ذات رؤى ضيقة المعنى، ما زالت تستند في عنجهيتها إلى اليوم، فوضّح الباحث الدكتور معنى الإرهاب.
والتطرف، لغةً، من الرهبة أو الخوف، والمصطلح قديماً كان يعني المفسد أو جناية الحرب. والإرهاب من أكثر المفاهيم التي وقع الاختلاف عليها، ويرى الحداثيون أنه استخدام رمزي للتكفير، وهو العنف المتكون لأهداف سياسية التي تنتمي للمعتقدات الإنسانية الخلّاقة.
عرض الباحث في مقاربات يتوسم بها القدرة على الولوج إلى معترك التكوين الأول لمفهوم الإرهاب معنوياً، فقد وضع تفاصيل جنائية، واتفق العلماء على أنها أشد الجنايات، وانفتح النص على روح المعاصرة ليعطي أبعادها الجذرية.
والبحث في تنامي التكوين التحزبي، والجماعات التي تتبنى التطرف والإرهاب عبر قناعات تأخذ بأفكار شخصيات ومقدسات موهومة، يعتبرونها من المسلّمات فكراً وعقيدةً وسلوكاً، وجوهر الخطأ هو إلحاق هذا الإرهاب بالجهاد عنوةً وقسراً، وعدّوا كل ما يصدر خلافه باطلاً وظلماً.
هم اعتمدوا في مقياس الحق على الرجال، بينما نجد أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: «لا يُعرف الحق بالرجال، وإنما تُعرف الرجال بالحق»، وقوله: «اعرف الحق تعرف أهله».
فجاء بناء النص البحثي للمنجز الإرهابي منذ عصر الرسالة، حيث تأسست عقيدة التطرف من خلال التكفير وترويع الناس الآمنين، وابتُليت به الرسالة الإسلامية بعد الدعوة الإسلامية، وحتى بعد الهجرة.
وكان لأمير المؤمنين (عليه السلام) النصيب الأوفر من هذه التجمعات المارقة، والخوارج أبرز الشواهد بما قامت به من إرهاب منظم، ليتحول، في مرحلة الدولة الأموية، إلى إرهاب دولي، وتبنّي فكر منهجي لترويع الناس.
ويُعدّ أول من أسّس هذا الفكر ابن تيمية، عندما وضع أسس مبدأ التنظير، ومن بعده محمد بن عبد الوهاب، يعني تحويل الفكر التكفيري من مقام النظرية إلى مقام التطبيق. وأجمل البحوث تلك التي تعمل على مبدأ الاستنتاج وتعطي الرأي.
والسيد الباحث يرى أن الفكر التكفيري الآن تطرف أكثر من خطوات التأسيس؛ إذا كانت تقف عند حدود تكفير الجماعات، اليوم تبنّى تكفير الحكام والأمم، وميّز الحركات التكفيرية بالتصرف في سن الدليل الشرعي الناتج عن قلة معرفة أو نزوع نفسي، وميلهم إلى العنف والقسوة والتعصب، ورفضهم حتى الحوار مع الآخرين.
وعدّوا فكرة التقارب بين المذاهب فكرةً يُراد بها أن تكون فخاً لأهل السنة والجماعة، ويمتاز بسرعة التقلب وتغيير الآراء، وابتُليت بهم الأمة الإسلامية، وخاصة أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام).
تناول الباحث، في مساعيه بالبحث عن جوهر المعنى، مسألة مهمة في قضية تصدي أهل البيت (عليهم السلام)، فيما يتعلق بالرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام): هل واجه النبي (صلى الله عليه وآله) الإرهاب بالإرهاب، أم واجهوه بالتسامح والعفو؟
والوقوف وفق المنهج الحسيني، درس أولاً المبنى الفقهي لثورة الإمام (عليه السلام)، وهذا رد واضح على تهمة الخروج. وللحسين (عليه السلام) مبررات للثورة، لا بد من كشف ما تعرض له الإمام (عليه السلام) من إرهاب، وكيف تعامل الإمام (عليه السلام) تجاه الإرهاب.
والواقع التربوي للحسين (عليه السلام) يؤهله لينال مميزات نادرة لأخلاقيات أهل البيت (عليهم السلام)، حين بكى على مصير قاتليه، أنموذج حي لتكوين مسألة رفض تام لهذا الإرهاب.
ومن روعة ما أقدم عليه الباحث حين ختم بحثه بتوصية العالم الإنساني والإسلامي أن يضع الفكر التكفيري على أنه الخطر الأشد ضد الإنسانية، ومحاولة تجفيف منابع هذا الفكر الإرهابي التكفيري من خلال الارتكاز على فكر الإمام الحسين (عليه السلام)، باعتباره منهجاً إنسانياً يحفل بالكثير من التجارب الناجحة.
نبارك للباحث إنجازه البحثي الرائع.
✦ كتابات في الميزان ✦
يقدّم المقال قراءةً في بحثٍ يتتبع الجذور الفكرية والتاريخية للتطرف والإرهاب، ويكشف خطورة إلباس العنف التكفيري ثوب الجهاد. ويبرز منهج أهل البيت (عليهم السلام)، ولا سيما النهج الحسيني، بوصفه مشروعاً أخلاقياً يواجه الإرهاب بالحق والوعي والتسامح. ويخلص إلى ضرورة تجفيف منابع التكفير واعتماد فكر الإمام الحسين منهجاً إنسانياً لمقاومة التطرف.
