التحيز قد يبدأ كميلٍ طبيعي لدى الكاتب أو الباحث، لكنه يصبح خطيرًا عندما يطغى على الحكم ويقود إلى فقدان الموضوعية. عندها لا يعود الهدف فهم الحقيقة، بل تثبيت موقف مسبق، حتى لو كان ذلك على حساب الدقة والإنصاف.
في هذه الحالة، تُقرأ الوقائع بعين واحدة، وتُعرض المعلومات بطريقة انتقائية، فتُبرز الجزئيات التي تؤيد الفكرة، وتُهمَّش ما سواها. وهنا يفقد النص توازنه، ويصبح أقرب إلى الدفاع عن رأي منه إلى عرضٍ صادق للواقع.
أما في الدراسات، فالأثر أشد؛ لأن القارئ يتعامل معها بوصفها معرفة موثوقة. فإذا كان المنهج مضطربًا، أو كانت النتائج موجهة، أو جرى تفسير المعطيات بما يخدم اتجاهًا معينًا، فإن الخطأ لا يبقى محدودًا داخل الورقة العلمية، بل يمتد إلى وعي الناس ومواقفهم وقراراتهم.
الموضوعية لا تعني إلغاء الرأي، بل تعني التعامل مع الحقائق كما هي، لا كما نرغب أن تكون. وهي تبدأ من سؤال بسيط لكنه حاسم: هل أبحث عن الحقيقة، أم أبحث عمّا يثبت ما أؤمن به مسبقًا؟
لذلك فإن أخطر ما في التحيز ليس وجوده فقط، بل استسلام الكاتب له من دون وعي. فالنص المتزن لا يحتاج إلى المبالغة ولا إلى الإقصاء، بل إلى صدق في العرض، واعتدال في الحكم، واحترام لعقل القارئ.
