البطالة والعمالة الأجنبيّة في العراق

تُعرَض البطالة في العراق بوصفها إحدى أبرز الأزمات الّتي تواجه الشّباب، ولا سيّما الخرّيجين منهم، حتّى غدا الحديث عنها ثابتًا في الخطاب الإعلاميّ والسّياسيّ. وفي الوقت نفسه، يشهد سوق العمل العراقيّ حضورًا واسعًا للعمالة الأجنبيّة في مجالاتٍ متعدّدة، تبدأ من الخدمة المنزليّة والبناء والمطاعم والتّنظيف، وتمتدّ إلى المهن الفنّيّة والإداريّة والطّبّيّة والهندسيّة والتّخصّصات الدّقيقة.
وهنا يبرز سؤالٌ لا يصحّ تجاوزه بإجابةٍ جاهزة:
كيف تجتمع البطالة بين العراقيّين مع استمرار استقدام أعدادٍ كبيرة من العاملين الأجانب؟
لا يدلّ وجود العمالة الأجنبيّة على أنّ البطالة وهمٌ، كما لا يعني وجود العاطلين أنّ كلّ أجنبيّ يشغل فرصةً كان العراقيّ قادرًا على شغلها. بل ينبغي دراسة نوع الوظيفة، والمهارة المطلوبة، وشروط العمل، وأسباب اختيار صاحب العمل، ومدى وجود البديل العراقيّ المؤهّل. ويمكن تناول المسألة من خلال ثلاثة محاور أساسيّة.
أوّلًا: كيف نجمع بين البطالة والعمالة الأجنبيّة؟
البطالة لا تعني دائمًا انعدام فرص العمل، بل قد تنشأ من عدم التّوافق بين الأعمال المتاحة والباحثين عنها. فقد يحتاج السّوق إلى مهاراتٍ لا يوفّرها التّعليم، أو تكون الوظائف بعيدةً عن محلّ السّكن، أو موسميّةً وغير مستقرّة، أو لا تتناسب مع التّخصّص الدّراسيّ. وقد ينتظر بعض الشّباب وظيفةً حكوميّةً دائمة، في حين تكون الفرص المتاحة في القطاع الخاصّ أو الأعمال الحرفيّة والخدميّة.
وقد يفضّل صاحب العمل العامل الأجنبيّ لأنّه يقبل الإقامة في موقع العمل، أو الانتقال بين المدن، أو الدّوام لساعاتٍ أطول، أو لأنّه يأتي من خلال شركةٍ أو وسيطٍ يضمن انتظامه واستمراره. وقد يكون سبب التّفضيل انخفاض كلفته أو ضعف قدرته على المطالبة بحقوقه، وهذه ليست ميزةً مشروعة، بل قد تكشف عن استغلال العامل الأجنبيّ وضعف الرّقابة على شروط العمل.
لكنّ تفسير الاعتماد على الأجانب بانخفاض الأجور وسوء الظّروف وحدهما لا يكفي؛ فالواقع يكشف أنّ عراقيّين كثيرين يعملون بأجورٍ متدنّية، ومن دون ضماناتٍ أو استقرار. ونجد ذلك في العقود الحكوميّة المؤقّتة والعمل بنظام السّاعات، وفي أعمال القطاع الخاصّ والمهن اليوميّة، بل في بيع السّلع في الطّرقات والإشارات المروريّة، بما يصاحب ذلك من الحرّ والبرد والخطر والمهانة أحيانًا.
ولا يقتصر الأمر على البالغين، بل يعمل بعض صغار السّنّ، ومنهم من لم يبلغ السّنّ القانونيّة للعمل، في ظروفٍ قاسية وبأجورٍ قليلة. وهذا يدلّ على أنّ انخفاض الأجر أو تدنّي مستوى المهنة لا يمنع العراقيّ من العمل من النّاحية العمليّة، وإن بقي عاملًا مؤثّرًا في جاذبيّة بعض الوظائف.
ومن هنا تصبح الحاجة ملحّةً إلى إجراء استطلاعٍ ميدانيّ حقيقيّ، لا يقتصر على البيانات الرّسميّة أو إجابات أصحاب الشّركات الكبرى، بل يشمل المطاعم والمتاجر وورش البناء والخدمات المنزليّة والمشاريع الصّغيرة. وينبغي أن يُسأل أصحاب العمل بصراحة: لماذا يعتمدون على غير العراقيّين؟ هل السّبب المهارة، أم الانتظام، أم ساعات العمل، أم سهولة السّيطرة على العامل، أم انخفاض الكلفة، أم ضعف الثّقة بالعامل المحلّيّ؟
كما ينبغي مقابلة العراقيّين الّذين يعملون بأجورٍ متدنّية، ومعرفة سبب قبولهم بعض الأعمال وعدم انتقالهم إلى المجالات الّتي يكثر فيها الأجانب. فقد يكون الاختلاف في دوام العمل، أو السّكن داخل مكانه، أو طبيعة العلاقة بصاحب العمل، أو الوساطة المنظّمة الّتي توفّرها مكاتب الاستقدام.
وبغير هذه الدّراسة ستبقى القضيّة خاضعةً للاتّهامات العامّة؛ فيُرمى الشّباب بالكسل من غير دليل، أو يُقال إنّ العمالة الأجنبيّة استولت على الوظائف من دون معرفة حقيقة تلك الوظائف وشروطها.
ثانيًا: العمالة الأجنبيّة ليست دائمًا عمّالًا ومستخدمين
حين تُذكر العمالة الأجنبيّة، ينصرف الذّهن غالبًا إلى عمّال البناء والمطاعم والنّظافة والعاملات في المنازل. لكنّ العامل في المفهوم الاقتصاديّ والقانونيّ هو كلّ من يؤدّي عملًا بأجر، سواء أكان عاملًا يدويًّا، أم طبيبًا، أم مهندسًا، أم خبيرًا فنّيًّا، أم مديرًا، أم مدرّسًا، أم متخصّصًا في البرمجيّات والصّناعات الدّقيقة.
ولذلك لا يكفي أن تعلن الجهات الرّسميّة عدد الأجانب وجنسيّاتهم، بل ينبغي تصنيفهم بحسب المهن والمؤهّلات. فمنهم العمّال غير المهرة، والفنّيّون والحرفيّون، وحملة الشّهادات، والأطبّاء، والمهندسون، والخبراء، والمديرون، وأصحاب الاختصاصات النّادرة.
ولهذا التّصنيف أثرٌ مباشر في فهم البطالة. فقد يرجع استقدام عاملٍ في مهنةٍ خدميّة إلى طريقة تنظيم العمل أو انخفاض الأجر، بينما يرجع استقدام مهندسٍ أو طبيبٍ أو خبيرٍ إلى نقصٍ في خبرةٍ محدّدة لا تتوفّر محلّيًّا. وخلط النّوعين يجعل النّقاش مضلّلًا.
كما ينبغي معرفة ما إذا كان الخبير الأجنبيّ يُستقدَم مؤقّتًا لتشغيل مشروعٍ أو نقل معرفةٍ إلى العراقيّين، أم أنّ الاستعانة به تحوّلت إلى اعتمادٍ دائم. فالاستقدام قد يكون مفيدًا إذا اقترن بتدريب الكوادر المحلّيّة، لكنّه يصبح خللًا إذا استمرّت الشّركة في جلب الأجانب من دون إعداد بدائل عراقيّة.
وفي مقابل سجلّ العمالة الأجنبيّة، ينبغي إنشاء سجلّ للكفاءات العراقيّة العاطلة أو العاملة خارج اختصاصها، ثمّ مقارنة المؤهّلات والخبرات مقارنةً حقيقيّة، لا بمجرّد تشابه عناوين الشّهادات.
ثالثًا: أولويّة العراقيّ حقٌّ منضبط وليست قاعدةً مطلقة
من حقّ الدّولة أن تحمي سوق العمل الوطنيّ، وأن تمنح المواطن أولويّةً في الفرص الموجودة داخل بلده، ولا سيّما عند تساوي المؤهّلات والخبرة وشروط الاستخدام. لكن لا ينبغي تحويل هذه الأولويّة إلى قاعدةٍ مطلقة يُقدَّم بموجبها العراقيّ في كلّ وظيفةٍ لمجرّد جنسيّته، مهما كان مستوى كفاءته.
فإذا احتاج العمل إلى خبرةٍ نادرة، أو إلى تشغيل تقنيّةٍ جديدة، ولم يوجد عراقيّ قادرٌ على أدائها، كان استقدام الأجنبيّ مشروعًا، وربّما ضروريًّا. غير أنّ ذلك ينبغي أن يخضع لضوابط، منها إثبات الحاجة إلى الاستقدام، والتّحقّق من الشّهادات والخبرات، وتحديد مدّة العقد، وإلزام الجهة المشغّلة بتدريب عراقيّين ووضع خطّةٍ للإحلال التّدريجيّ.
فالمواطنة تمنح حقّ الحماية والمنافسة العادلة والتّدريب، لكنّها لا تمنح تفوّقًا فنّيًّا تلقائيًّا. وفي الوقت نفسه، لا يجوز اتّخاذ شعار الكفاءة ذريعةً لتفضيل الأجنبيّ لأنّه أقلّ أجرًا أو أضعف مطالبةً بحقوقه.
الضّمان الاجتماعيّ بوصفه حافزًا على العمل
ينبغي كذلك مراجعة طريقة منح الضّمان أو الإعانات الاجتماعيّة. فإذا شُرط لاستحقاق الدّعم أن يكون الإنسان بلا عمل، فقد يدفع ذلك بعض النّاس إلى إخفاء أعمالهم، أو الظّهور بمظهر العاطل، أو رفض عملٍ محدود الأجر خوفًا من فقدان الإعانة.
والأجدى ألّا يكون العمل مانعًا مطلقًا من الضّمان، بل يستمرّ الدّعم عند العمل بأجرٍ متدنٍّ، وينخفض تدريجيًّا كلّما ارتفع الدّخل. وبذلك يصبح الضّمان مكمّلًا للأجر، لا بديلًا عنه، وتدفع الدّولة القادر إلى دخول سوق العمل بدل أن تجعل تركه شرطًا للحصول على المساعدة.
غير أنّ هذا المقترح يحتاج إلى احترازٍ أساسيّ؛ لئلّا يتحوّل الدّعم الحكوميّ إلى ذريعةٍ يستند إليها بعض أصحاب العمل في تخفيض الأجور، بدعوى أنّ الدّولة ستتكفّل بإكمال دخل العامل. فإنّ ضعف النّزاهة واستغلال الثّغرات قد يحوّلان كلّ تقنينٍ وُضع لمعالجة مشكلةٍ اجتماعيّة إلى منفعةٍ خاصّة عاجلة، فيستفيد صاحب العمل من الدّعم المخصّص للعامل بدل أن تتحقّق به الغاية الاجتماعيّة المقصودة.
ولهذا ينبغي أن يقترن استمرار الضّمان مع العمل بضوابط تمنع نقل عبء الأجر من صاحب العمل إلى الدّولة، من قبيل تحديد حدٍّ أدنى ملزم للأجور بحسب طبيعة المهنة وساعات العمل، وعدم احتساب الدّعم جزءًا من الأجر الّذي يلتزم به صاحب العمل، ومراقبة العقود، ومعاقبة من يخفض الأجور بعد شمول العامل بالإعانة، وربط الدّعم بدخل العامل الفعليّ لا بما يصرّح به صاحب العمل وحده.
فإذا كان العمل المتاح لا يوفّر دخلًا كافيًا للعيش، أمكن للحكومة أن تكمّل دخل العامل بالدّعم الاجتماعيّ، بشرط أن يبقى صاحب العمل ملزمًا بالأجر العادل المقرّر، وألّا يتحوّل الدّعم إلى إعانةٍ غير مباشرة للمشغّلين على حساب المال العامّ وحقوق العمّال. وبهذا يساعد النّظام على تشغيل العراقيّين في المجالات منخفضة الأجر، ويرفع دخلهم، ويحدّ من التّلاعب بصفة البطالة، من دون أن يشجّع أصحاب الأعمال على تخفيض الأجور أو التّهرّب من مسؤوليّاتهم.
الخاتمة
إنّ أزمة البطالة ليست مشكلةً محلّيّةً خاصّةً بالعراق، بل هي أزمةٌ عالميّة عانت منها دولٌ كثيرة، واختلفت آثارها وطرق معالجتها باختلاف البنى الاقتصاديّة والاجتماعيّة والتعليميّة. غير أنّ اشتراك الدول في أصل المشكلة لا يعني إمكان نقل الحلول بينها من غير تمييز؛ فما نجح في مجتمعٍ قد لا ينجح في مجتمعٍ آخر لاختلاف موارده، وثقافة العمل فيه، وحجم القطاع العامّ، ومستوى التعليم، وطبيعة سوقه الاقتصاديّة.
ومن هنا يكون من المفيد، بل من المتعيّن، ألّا يبدأ العراق بحثه في معالجة البطالة من نقطة الصفر، وإنّما يتّجه إلى دراسة تجارب الدول الأخرى، ولا سيّما الدول المقاربة له في بنيتها السكّانيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة. وينبغي ألّا تقتصر هذه الدراسة على التجارب الناجحة للاستفادة من وسائلها ونتائجها، بل تشمل كذلك التجارب الفاشلة؛ لمعرفة أسباب إخفاقها والتوقّي من تكرارها.
فالمطلوب ليس استنساخ نموذجٍ أجنبيّ جاهز، وإنّما الإفادة الواعية من الخبرة العالميّة، ثمّ تكييف ما يصلح منها مع خصوصيّة المجتمع العراقيّ. وبذلك يمكن الانتقال من المعالجات المرتجلة والشعارات العامّة إلى سياسةٍ مدروسة، تجمع بين الإحصاء الدقيق، وتنظيم العمالة الأجنبيّة، وتطوير المهارات، وتحسين شروط العمل، وإصلاح نظام الضمان الاجتماعيّ، والاستفادة من خبرات الأمم في ما نجحت فيه وما أخفقت.

محمد البغدادي

البطالة.jpg