إيران بين شعبية النظام وأصالة المواقف

 دعاني واجب الوفاء لشهيد عظيم من عظماء الامة الاسلامية، إلى السفر على مرحلتين، لتوديع جثمانه الطاهر، المغدور من أعداء الأمة الألداء، وقد كان مودعا في قبر بجوار عمته فاطمة المعصومة بقم، وكان أوصى بأن يوارى الثرى عند جده الامام علي بن موسى الرضا، ثامن أئمة أهل البيت عليهم السلام، يحدوني أمل أن أكون أديت له بعض حقه، باعتباره فقيها عالما بزمانه قلدته في الفقه كما قلدت قبله قائد الثورة الاسلامية ومؤسس ناظامها الأول الامام الخميني، يمثلان رجلي الاصلاح في هذا العصر.
التحق الإمام الخميني بالرفيق الأعلى بعد تسع سنوات من الأحداث المصيرية المتسارعة المليئة بالمؤامرات على بلاده، أفشلها بحكمته وحصمود شعبه المؤمن المكافح، يبخلا بشيء من التضحيات والفداء، وشكلت خلالها حرب الثماني سنوات المفروضة على ايران، بداية مواجهة عسكرية كبيرة مع أمريكا ودول الغرب، خاضها نيابة عنهم صدام، بعدما استدرجوه اليها بطعم ضم خوزستان، وقد قدموا له دعما لوجستيا عسكريا شاملا، وأموالا دفعتها دول الخليج طواعية، يحدوهم جميعا أمل اسقاط النظام الاسلامي، الذي فضح سياسات أعداء الإسلام والمسلمين، وكشف خططهم الخبيثة في السيطرة على بلدانهم وامتهان شعوبهم، بينما أخضعت ايران لحظر شامل في شراء الأسلحة، من معسكري الشرق والغرب على حد سواء، فقد كان جميعهم أعداء .
خلف الامام الخميني في سلطة الاشراف على مؤسسات النظام ، ورعاية شؤون البلاد كافة (الولاية)الامام الخامنئي، فكان أحسن خلف لخير سلف، قام بواجبه على أحسن وجه، يمكن أن يقدمه مرجع دين، لم يدخر جهدا في خدمة قضايا  الأمة الإسلامية وفي مقدمتها قضية فلسطين، والتفاني في تقديم ما تحتاجه، من نصح وتوجيه واشراف على مؤسسات النظام، بما مكنه من الصمود أمام التحديات الجسيمة التي اعترضته طوال 47 سنة، وهي كثيرة، في عالم بلغت به درجات السفه والانحطاط الانساني، أن ينخرط بعض أهله في مخططات تشويه ايران عقيدة وسياسة إسلامية، دون وجه حق، والويل لهم مما جنته أيديهم من تلك المفتريات الباطلة.
ان المتابع لما ينشر ويروج له على صفحات التواصل الاجتماعي المتنوعة، لا يمكن أن يسكت عنه صاحب أبسط قيمة انسانية، فيبادر إلى استنكار وشجب ما تتفثه تلك الصفحات من أكاذيب مليئة بأحقاد من أضمر في قلبه حقدا دفينا عليها، دالة على بعدها عن قيم الاسلام في التبين، والاحتياط من الوقوع في أحابيل شياطين الإنس، حذر منهم قرآننا الكريم في أكثر من آية وموضع، وهؤلاء في حيث أعدادهم كثيرون، يقف وراءهم أعداء إيران، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين)، والا فإن من كفر مسلما فقد كفر، فأي سبيل سلك هؤلاء المغرر بهم؟
صفحات قد شاب محتوياتها الإبتذال، وطغت عليها مسحة من الكذب المفضوح، ومجارات اسرائيل فيما تروجه من اساءات ضد ايران، مما يجعلنا نتأكد من عدم وثاقة أصحابها، وما ينشرونه بحق إيران قيادة وسياسة، ذلك أن الحمقى عندما يستولي عليهم حقدهم، يكشفون عن وجوه غارقة في السوء والانحطاط، فاقدة لابسط القيم الأخلاقية، والا كيف يرضى انسان عاقل فضلا عن كونه مسلما، بأن ينخرط في مخطط تشويه بلد إسلامي له تاريخه العريق، وانجازات أهله المشهود لهم بالعلم والدين ماضيا وحاضرا ومستقبلا. ويرضى بأن يكون في صف أعداء إيران، اللهم الا اذا خرج من قيم دينه أو فقد عقله.
لم يكن السيد علي الحسيني الخامنئي سوى فقيه عالم بأحوال زمانه، قد أكسبته الحياة وتجاربها درجة عالية من الادراك والوعي، بما يتوجب عليه فعله عند كل نائبة، وقد نجح في قيادة إيران، نحو التألق والاكتفاء الذاتي في جميع المجالات تقريبا، وغم العقوبات والحصار الظالمين، اللذين استمرا طوال 47 سنة، ولو سلطت هذا الحصار على دولة أخرى لما صمدت عشر سنوات  ولآل بها الأمر إلى السقوط والإنهيار، وكان دافع أمريكا وحلفائها في تشديد العقوبات عليها، نابع من موقفها الثابت من اسرائيل الداعي إلى زوالها، وإنهاء احتلالها لفلسطين، بل لقد كان طوال قيادته محذرا من خطورة بقائها، ومشروعها اسرائيل الكبرى بدأت بتنفيذ منذ سنوات، ولم يعد يعيقها عن تنفيذ ذلك سوى مشروع ايران المقاومة لوجودها وأطماعها. 
وأي خاتمة أروع من وسام شهادة نالها هذا الولي الناصح لأمته؟ وقد قتل غدرا بقصف مقر إقامته، بعدما رفض مغادرته، إلى مكان آمن بينما غالبية شعبه يعيشون تحت القصف، ضاربا لنا مثلا في العدل يصعب أن يأخذه بعين الاعتبار سواه، تاركا وراء سيرة وسلوكا بسيطا جدا في العيش في رحاب بيت جد متواضع بمحتوياته القديمة التي يصل عمر بعضها الاربعين عاما، فضلا عن عيش الزهد والكفاف الذي كان يتوخاه طوال حياته، فأكرم به من عالم أفنى عمره في العلم تعلم وتعليما وبحوثا، وقائد قضى فترة اشرافه كأفضل ما يقدمه ناصح حكيم لبلاده وقضايا أمته.
كأفضل ما تكون سيرة رجل دولة، وفقيه ساهر على انفاذ أحكام دينه خادما لقضاياه بيقين وصدق وتفاني، مضى على بصيرة من أمره رشيدا ضاربا مثلا من حياته البسيطة المتواضعة، وياتينا اليوم من ينكرون حقائق هذا الرجل، فعميت قلوبهم وعقولهم في أن يدركون منها شيئا، على الرغم من سطوع دلالاتها وظهور آياتها، وفيما كان العرب قديما بالاشارة يفهمون، ابتلينا اليوم بأنماط عرب باستثناء من خرج المستنقع الواقعين فيه، قد يدركون حقيقة ما، بالهمز واللمز، وقد لا يستوعبون من ذلك شيئا الا أن يحاط بهم، وقد جرت عليهم طريقة الاكراه في الدين والسياسة.
السفر لمن ألمت به مصيبة فادحة، ليس سفرا عاديا، ففقد قائد عظيم، مثل الشهيد السعيد السيد علي الخامنئي رضوان الله عليه، هو نائبة من نوائب دهر لا تنمحي آثارها بسهولة، والقلوب التي فجعت به، لم تكن في قابل تحمل وقعها إلى اليوم، وتعابيرها بادية واضحة، من خلال تفاعل عموم الشعب الايراني مع فاجعته، وهو الذي كان يأمل في بقاء قائده حيا، حتى يشهد انهيار رأس قوى الاستكبار العالمي، وبشارة حلول نظام عالمي جديد محله، يعطي للإنسانية حقوقها في الحرية والكرامة.
 لبست ايران وشاح الحزن، وأعلن أهلها حدادا لن ينهيه شيء، سوى الثأر لعملية اغتياله، وقد خرج شعبه الوفي لوداعه يوم الأحد 5 جويلية، وعاد لتشييعه في اليوم الموالي الاثنين، تعبيرا عن وفاء وتقدير لتضحياته، حاملين ألوية حمرا، رافعين أصواتا مطالبة بالثار له من مغتاليه، وكان خروجا مليونيا، لم يشهد له التاريخ على طوله مثيلا،  تعبيرا عن مدى ايمانهم بولايته الصالحة عليهم ، وحزنهم الكبير على فقده، مظاهر الجموع المليونية الوفية شكلت حدث اسثنائيا، اربك زخمه من وقعت مغالطتهم بشأن إيران وقائدها، حتى ان الامريكي ترامب قال انه تفاجأ بالايرانيين يبكون على موته، وما شاهدته انا من بين هاته الجموع علامات حزن بادية على وجوههم، وبكاء اغلبهم عند وصولهم لمنصة التوابيت الخمسة لعائلته.
لا يختلف ألما وحزنا يوم اغتيال الشهيد الخامنئي، عن يوم رحيل مفجر الثورة الاسلامية الإمام الخميني، فكلاهما حادثتان معدودتان من نوادر ما شهدته البشرية، جموع غفير يصعب احصاء اعدادها، خرجت متحدية حرارة الشمس المرتفعة والازدحام البشري والمروري على الطريق المؤدية الى مصلى طهران، ومن التعبير الشعبي للوداع الاول الذي حظي به الامام الخميني سنة 1989م حيث بلغ المودعون حوالي 13 مليونا، الى التعبير الشعبي الثاني لوداع وتشييع الامام الخامنئي حيث بلغ المشيعون 30 مليونا، في انتظار تعابير أحبائه واوليائه عند تشييعه في العراق، لزيارة امير المؤمنين علي بن ابي طالب بالنجف والامام الحسين أخيه ألعباس بكربلاء.
لقد عبرت الجماهير الايرانية من خلال حضورها المليوني عن شعبية نظامها وتأصله في حياتها، مؤمنة به مشروعا إسلاميا اثبت جدواه وفاعليته، صامدا أمام أخطر المؤامرات عليه، وهي رسالة واضحة فاضحة أكاذيب أعداء إيران بشأن نظامها وتآكل شعبيته، انتصار إيران عسكريا بات من تحصيل حاصل، وانتصارها دبلوماسيا هو أمر لا يختلف عليه عاقلان، وانتصارها شعبيا أصبح اليوم برهانا ترفعه ايران للعالم الغافل، لتزيد من رصيد إقناع شعوبه وحكوماته بحقانية أهدافها، وشعبية نظامها، تنافس به أقوى الأنظمة شعبية في العالم، قريبا ستسقط مبررات المنحرفين عن ايران أصالة وحقوقا. ولكن هيهات ان تنمحي إساءاتهم، فهي مكتوبة عند مليك لا يعزب عنه مثقال ذرة في الارض ولا في السماء. 

✦ كتابات في الميزان ✦

يتناول المقال رؤية الكاتب لشخصية السيد علي الخامنئي ودوره في قيادة إيران، مسلطًا الضوء على ما يراه من صمود النظام الإيراني في مواجهة التحديات الخارجية والعقوبات، ومكانة القضية الفلسطينية في سياسته. كما يستعرض مشاهد التشييع الجماهيري بوصفها تعبيرًا عن الولاء الشعبي، ليخلص إلى أن هذه المشاركة تمثل – من وجهة نظره – دليلاً على رسوخ النظام وشعبيته واستمرار حضوره في المشهد الإقليمي.

الخامنئي.jpg