إنَ حمايةَ المالِ العام، ليستْ مسؤوليةً جهةً واحدة، وإنما هيَ منظومةٌ متكاملةٌ تبدأُ بالدستور، وتمتدُ إلى القوانينِ والأنظمةِ والتعليمات، وتنتهي برقابةِ مؤسساتِ الدولةِ والمجتمع، وكلما التزمتْ السلطاتُ بحدودِ اختصاصاتها الدستوريةِ والقانونية، ضاقتْ منافذُ الفساد، وتعززتْ ثقةُ المواطنِ بالدولة.
لقدْ رسمَ دستورٌ جمهوريةَ العراقِ لسنةِ 2005 العلاقة بينَ السلطات، على أساسِ مبدأِ الفصلِ بينَ السلطاتِ معَ التعاونِ والتوازنِ بينها، فنصتْ المادةُ (47) على أنَ السلطاتِ الاتحادية، تتكونُ منْ السلطاتِ التشريعيةِ والتنفيذيةِ والقضائية، وتمارسُ اختصاصاتها ومهماتها على أساسِ مبدأِ الفصلِ بينَ السلطات.
إنَ لكلِ سلطةِ اختصاصاتها المحددة، ولا يجوزُ لأيِ سلطةٍ أنْ تحلَ محلَ الأخرى أوْ تمارسَ صلاحياتها، وتتولى السلطةَ التشريعية، ممثلةٌ بمجلسِ النواب، وظيفتينِ أساسيتينِ هما التشريعُ والرقابةُ على أداءِ السلطةِ التنفيذية. بينَ الدستورِ في المادةِ (61) اختصاصات مجلسِ النواب، ومنْ أهمها تشريع القوانين، والرقابةِ على أداءِ السلطةِ التنفيذية، واستجواب الوزراءِ ورئيسِ مجلسِ الوزراء، وسحبٍ الثقةِ وفقَ الضوابطِ الدستورية، أما السلطةُ التنفيذية، فقدْ حددَ الدستور في المادةِ (78) أنَ رئيسَ مجلسِ الوزراءِ هوَ المسؤولُ التنفيذيُ المباشرُ عنْ السياسةِ العامةِ للدولةِ والقائدِ العامِ للقواتِ المسلحة، ويرأسُ مجلس الوزراء، ويديرُ جلساته، كما نصتْ المادةُ (80) على اختصاصاتِ مجلسِ الوزراء، ومنها تخطيط وتنفيذ السياسةِ العامةِ للدولة، وإصدار الأنظمةِ والتعليماتِ والقراراتِ بقصدِ تنفيذِ القوانين، وإعدادِ مشروعِ الموازنةِ العامة، والتفاوضِ بشأنِ المعاهداتِ والاتفاقيات، وغيرها منْ الاختصاصاتِ التنفيذية.
منْ خلالِ هذهِ النصوص، يتضحُ أنَ الدستور، لمْ يمنحْ أعضاءَ مجلسِ النوابِ صلاحياتٍ تنفيذيةً في إدارةِ الوزاراتِ أوْ إصدارِ الموافقاتِ الإداريةِ أوْ التدخل في العقودِ والمناقصاتِ أوْ المشاريعِ الحكومية، لأنَ هذهِ الأعمالَ تدخلُ ضمنَ اختصاصِ السلطةِ التنفيذية، وتمارسُ وفقَ القوانينِ والأنظمةِ والتعليماتِ النافذة.
بينَ نظامِ مجلسِ النوابِ الداخلي، حقوق وواجبات عضوِ مجلسِ النواب، وآليات ممارستهِ للعملِ الرقابيِ والتشريعي، ويجيزُ لهُ متابعةْ شؤونِ المواطنينَ ونقلِ مطالبهمْ إلى الجهاتِ المختصة، إلا أنَ ذلكَ لا يعني التدخلَ في القرارِ الإداريِ أوْ الضغطِ على الموظفِ التنفيذيِ للحصولِ على موافقاتٍ خاصةٍ أوْ استثناءاتِ أوْ إحالةِ مشاريعَ أوْ مقاولاتٍ أوْ تعييناتٍ أوْ عقود.
إنَ هذهِ الممارساتِ في حالةِ خروجها عنْ الإطارِ القانوني، تمثلُ تجاوزا على مبدأِ الفصلِ بينَ السلطات، وتفتحُ أبواب الفسادِ واستغلال النفوذ. لقدْ كشفتْ العديدَ منْ ملفاتِ الفساد، أنَ بعضَ المخالفات، بدأتْ بطلباتٍ شخصيةٍ أوْ تدخلات غير قانونيةٍ للحصولِ على موافقاتٍ تتعلقُ بمحطاتِ الوقودِ أوْ المطاحنِ أوْ المقاولاتِ أوْ المناقصاتِ أوْ الإجازاتِ أوْ غيرها منْ المصالحِ الخاصة، وهيَ أمورٌ لا تدخلُ ضمنَ الاختصاصِ الدستوريِ للسلطةِ التشريعية، وإنما تقعُ ضمنَ اختصاصِ الجهاتِ التنفيذيةِ المختصةِ وفقَ القانون.
منْ هنا، تبرزُ الحاجةُ إلى إعادةِ تنظيمِ العلاقةِ بينَ السلطتينِ بما يضمنُ احترام الاختصاصاتِ الدستورية، وذلكَ منْ خلال:
أولا: إعادةُ الصلاحياتِ التنفيذيةِ إلى الوزاراتِ والجهاتِ المختصة، وعدمِ تركيزها بقراراتٍ فردية، إلا ما يقررهُ مجلسُ الوزراءِ في جلساتهِ الرسميةِ وفقَ المادةِ (80) منْ الدستور، ثمَ يحالُ إلى الوزاراتِ لاستكمالِ الإجراءاتِ القانونيةِ والتنفيذية.
ثانيا: تقليلُ عددِ المستشارينَ إلى الحدودِ الضروريةِ في مؤسساتِ الدولة، والاستفادةِ منْ الخبراتِ الوطنيةِ في الجامعاتِ العراقية، منْ خلالِ إشراكِ أساتذةِ الجامعاتِ والباحثينَ في تقديمِ الاستشاراتِ العلميةِ والقانونيةِ والفنيةِ لمجلسِ الوزراءِ والوزاراتِ والمؤسساتِ العامة، بما يعززُ الكفاءة، ويقللُ الإنفاق العام.
ثالثا: تنظيمُ زياراتِ أعضاءِ مجلسِ النوابِ إلى الوزاراتِ والجهاتِ التنفيذيةِ وفقَ ضوابطَ واضحة، بحيثُ يتمُ إشعارُ الجهةِ التنفيذيةِ مسبقا بسببِ الزيارةِ وموضوعها، وأنْ توثقَ الزيارة رسميا، وبيان نتائجها، وبما يمنعُ استغلالها لتحقيقِ مصالحَ شخصيةٍ أوْ ممارسةِ ضغوطٍ غيرِ قانونية، كما يمكن، عندَ الاقتضاء، حضورُ ممثلينَ عنْ الجهاتِ الرقابيةِ أوْ هيئاتِ النزاهةِ لتوثيقِ الإجراءاتِ وضمانِ الشفافية.
رابعا: منعُ جميعِ أشكالِ الوساطةِ أوْ المساومةِ أوْ التدخلِ في إنجازِ المعاملاتِ الإداريةِ أوْ الماليةِ أوْ الاقتصاديةِ تحتَ أيِ مسمى، لأنَ سيادةَ القانونِ تقتضي أنْ يحصلَ المواطنُ على حقهِ وفقَ القانون، وليسَ وفقَ النفوذِ أوْ العلاقاتِ الشخصية.
خامسا: إنَ بناءَ دولةِ المؤسسات، لا يتحققُ إلا عندما يعرفُ كلُ مسؤولٍ حدودَ اختصاصه، ويحترمُ اختصاص الآخرين، فلا يتدخلُ النائبُ في القرارِ التنفيذي، ولا تتجاوزُ السلطةُ التنفيذيةُ صلاحياتها، ولا تستخدمُ السلطة لتحقيقِ المصالحِ الشخصية.
إنَ حمايةَ المالِ العام، لا تبدأُ بعدَ وقوعِ الفساد، وإنما تبدأُ قبلَ التعاقد، وقبلَ صرفِ الأموال، ولذلك، فإنَ منْ الضروريِ اعتماد نظامِ رقابةٍ مسبقةٍ على جميعِ المشاريعِ الحكوميةِ والمقاولاتِ والعقودِ الكبرى، بحيثُ تخضعُ قبلَ الإحالةِ إلى تدقيقِ الجهاتِ الرقابيةِ المختصة، وهيئةْ النزاهةِ الاتحادية، وأجهزةْ الرقابةِ المالية، والجهاتِ الأمنيةِ المختصةِ كلّ ضمنِ اختصاصهِ القانوني، للتأكدِ منْ سلامةِ الإجراءات، وكفاءةِ الشركات، وخلوِ المشروعِ منْ شبهاتِ الفسادِ أوْ تضاربِ المصالح، وعدمِ صرفِ أيِ مبلغٍ منْ المالِ العامِ إلا بعدَ استكمالِ جميعِ المتطلباتِ القانونيةِ والرقابية.
تعدُ الرقابة الوقائية، أكثر فاعليةً وأقلّ كلفةً منْ الرقابةِ اللاحقة، لأنها تمنعُ وقوعَ الفسادِ قبلَ حدوثه، وتحافظُ على المالِ العام، وتمنعُ تعطيل المشاريعِ أوْ إهدار الأموالِ في النزاعاتِ القضائيةِ أوْ العقودِ الفاسدة. إنَ العراقَ يمتلكُ دستورا وقوانينَ وهيئاتٍ رقابيةً قادرةً على حمايةِ المالِ العام، لكنَ نجاحها يتوقفُ على الالتزامِ الحقيقيِ بمبدأِ سيادةِ القانون، واحترامِ الفصلِ بينَ السلطات، وتحديدِ المسؤولياتِ بدقة، وعدم السماحِ لأيِ مسؤول، مهما كانَ موقعه، بتجاوزِ اختصاصهِ أوْ استغلالِ نفوذه.
إنَ احترامَ كلِ سلطةِ حدودها الدستورية، وممارسةَ الرقابةِ البرلمانيةِ بصورتها الصحيحة، وأدتْ السلطةُ التنفيذيةُ واجباتها وفقَ القانون، وسبقتْ الرقابة جميع العقودِ والمشاريع، فإنَ أبوابَ الفسادِ ستضيقُ إلى أبعدِ حد، وسيكونُ المال العامّ نصانا، وستترسخُ دولةُ المؤسساتِ التي يحكمها القانونُ لا الأشخاص.
✦ كتابات في الميزان ✦
ينطلق الكاتب من مبدأ دستوري يؤكد أن حماية المال العام لا تتحقق بالعقوبات اللاحقة فحسب، بل باحترام الاختصاصات بين السلطات ومنع التدخل في صلاحياتها. ويوضح أن تجاوز بعض أعضاء السلطة التشريعية على العمل التنفيذي يفتح منافذ للفساد واستغلال النفوذ، داعيًا إلى الالتزام بمبدأ الفصل بين السلطات كما نص عليه الدستور.
