ليسَ منْ الإنصافِ أنْ يقاسَ الدينُ بأخطاءِ بعضِ أتباعه، كما ليسَ منْ الحكمة، أنْ تحجبَ الشمس بسببِ غيمةٍ عابرة، فالإسلام، في جوهره، ليسَ الصورة التي قدْ يرسمها التعصب، ولا الممارسات التي ترتكبُ باسمه، وإنما هوَ رسالة أخلاقية وإنسانية، جاءت؛ لترتقيَ بالإنسان، وتجعلهُ خليفة في الأرضِ يعمرها بالعدلِ والرحمةِ والسلام.
لقدْ جاءَ الإسلامُ في زمنٍ كانتْ القوةُ فيهِ معيارَ الحق، فجعلَ الحقّ هوَ معيارُ القوة، وجاءَ في مجتمعٍ كانتْ العصبيةُ فيهِ سيدةَ المواقف، فدعا إلى الأخوةِ الإنسانية، وإلى أنْ يكونَ ميزانُ التفاضلِ هوَ التقوى والعملَ الصالح، لا العرق، ولا القبيلة، ولا المال، قالَ سبحانهُ وتعالى: (يا أيها الناسُ إنا خلقناكمْ منْ ذكرٍ وأنثى وجعلناكمْ شعوبا وقبائلَ لتعارفوا، إنَ أكرمكمْ عندَ اللهِ أتقاكم) (الحجرات: 13 ) .
منْ هنا، ننطلقُ لنتعرف على جانبٍ منْ القيمِ العظيمةِ والصفاتِ الساميةِ التي جاءَ بها ديننا الإسلاميُ الحنيف، ذلكَ الدين الذي أرشدَ الإنسانَ إلى مكارمِ الأخلاق، ودعاهُ إلى العدلِ والرحمةِ والإحسان، وجعلَ منْ العلمِ والعملِ الصالحِ سبيلاً للرقيِ في الدنيا والفوزِ في الآخرة، فإنَ التأملَ في تعاليمهِ يمنحنا نورا نهتدي بهِ في حياتنا، ويزيدنا يقين بعظمةِ هذا الدينِ وشموله لكلِ ما فيهِ خيرا للفردِ والمجتمع.
- الإسلامُ دينُ سلامِ لا دينَ عدوان: لمْ يكنْ الإسلامُ يدعو إلى الحرب، بلْ جعلَ السلام هوَ الأصل، والقتالُ استثناء يلجأُ إليهِ لردِ العدوانِ وحمايةِ الإنسان، لا لفرضِ الدينِ أوْ السيطرةِ على الآخرين. قالَ تعالى: (وقاتلوا في سبيلِ اللهِ الذينَ يقاتلونكمْ ولا تعتدوا، إنَ اللهَ لا يحبُ المعتدين) (البقرة: 190 ) . وقالَ أيضا: (لا إكراهَ في الدين) (البقرة: 256 ) ، ترسمانِ هاتينِ الآيتين، مبدأينِ واضحين: لا اعتداء، ولا إكراه، فمنْ حملِ السلاحِ بغيرِ حق، أوْ كرهِ الناسِ على معتقداتهم، فقدْ خالفَ روح الإسلام، وإنَ رفعَ شعاراته.
- الأخلاق قبلَ الشعارات: لمْ يهدفْ الإسلام، أنْ يكثرَ عددُ المصلينَ فحسب، وإنما أنْ يكثرَ الصادقون، والأمناء، والرحماء، والعادلون، فالقرآنُ يربطُ قيمةَ الإنسانِ بصدقه، ففي قولهِ تعالى: (هذا يوم ينفعُ الصادقينَ صدقهم) (المائدة: 119 ) . ويأمرُ بالعدلِ حتى معَ منْ نختلفُ معهمْ في قوله: (اعدلوا هوَ أقربُ للتقوى) (المائدة: 8 ) . إنَ الأخلاقَ ليستْ زينةً تضافُ إلى الدين، بلْ هيَ قلب الدينِ وروحه، فلا قيمةً لعبادةٍ لا تمنعُ الظلم، ولا معنى لصلاةٍ لا تصنعُ إنسانا رحيما.
- الإسلامُ دينُ العقلِ والتفكر: لمْ يخاطبْ القرآنُ الإنسانَ بوصفهِ تابعا أعمى، وإنما خاطبَ عقله، وتكررتْ في آياتهِ الدعوةُ إلى التفكيرِ والتدبرِ والتعقل: (لعلكمْ تعقلون) (لعلهمْ يتفكرون) (أفلا يتدبرونَ القرآنَ ) ، إنَ الدينَ الذي يبدأُ ب كلمةٍ (اقرأ) لا يمكنُ أنْ يكونَ عدوا للعلم، ولا للعقل، ولا للحوار، وكلّ محاولةٍ لإلغاءِ التفكير، أوْ جعلِ التقليدِ بديلاً عنْ الفهم، هيَ ابتعاد عنْ المنهجِ القرآني، لا امتدادَ له.
- الرحمة أساس العلاقةِ معَ الناس: لمْ يأتِ الإسلام؛ ليبنيَ الجدرانَ بينَ البشر، بلْ ليهدمها، قالَ تعالى: مخاطبٌ نبيهٌ محمد (ص) (وما أرسلناكَ إلا رحمةً للعالمين) (الأنبياء: 107 ) . ولمْ يقل: رحمةٌ للمسلمينَ فقط، وإنما للعالمين. فالمسلمُ الحقُ لا يرى الناس أعداء بطبيعتهم، ولا يحتقرُ أصحاب الدياناتِ الأخرى، وإنما يعاملُ الجميع بالعدلِ والإحسان، ويتركُ الحساب للهِ وحده.
- نصرةْ الفقيرِ قبلَ جمعِ الثروات: منْ أعظمِ مقاصدِ الإسلامِ تحقيق التكافلِ الاجتماعي. فالمالُ وسيلةُ لا غاية، وأمانةَ لا امتياز. قالَ تعالى: (وآتوا المال على حبهِ ذوي القربى واليتامى والمساكين) (البقرة: 177 ) ، وقالَ أيضا: (وفي أموالهمْ حقٌ للسائلِ والمحروم) (الذاريات: 19 ) ، فالإسلامُ لا يقيسُ غنى الإنسانِ بما يملك، بلْ بما يعطي، ولا يقيسُ نجاح المجتمعِ بارتفاعِ الأبراج، بلْ بانخفاضِ عددِ الجائعين.- المال الحلال أساس البركة، فلمْ يجعلْ الإسلام الغاية هيَ الثراء، وإنما جعلَ الطريق إليهِ جزءا منْ الأخلاق، فحرمَ الربا، والغش، والرشوة، والسرقة، والاحتكار، وأكل أموالِ الناسِ بالباطل. قالَ تعالى: (ولا تأكلوا أموالكمْ بينكمْ بالباطل) (سورةْ البقرة: 188 ) ، فالمالُ الحرامُ قدْ يزيدُ الرصيد، لكنهُ ينقصُ الكرامة، ويهدمُ الضمير، ويبددُ البركة.
- التواضع لا الاستعلاء: كلما ازدادَ الإنسانُ قربا منْ الله، ازدادَ تواضعا للناس، ففي قولهِ تعالى: (وعباد الرحمنِ الذينَ يمشونَ على الأرضِ هونا) (الفرقان: 63 ) ، فليسَ المسلم منْ يتفاخرُ بتدينه، أوْ يحتكرُ الحقيقة، أوْ ينظرُ إلى الآخرينَ باحتقار، وإنما منْ يرى نفسهُ مسؤولاً عنْ إصلاحها قبلَ أنْ يحاسبَ الناس.
- بينَ الجذورِ والقشور: إنَ أكبرَ أزمةٍ يعيشها المسلمونَ ليستْ في الإسلام، وإنما في الخلطِ بينَ الدينِ وفهمِ البشرِ له. لقدْ شغلَ كثيرا بالقشور، واختلفوا في الجزئيات، بينما غابتْ عنهمْ الجذورُ الكبرى: الصدق، والعدل، والرحمة، والأمانة، وإغاثةُ المحتاج، واحترامُ الإنسان، وعمارةُ الأرض، فصارَ النقاشُ أحيانا يدورُ حولَ المظاهرِ أكثر منْ الجوهر، وحولَ التفاصيلِ أكثر منْ المقاصد، حتى ظنَ بعضُ الناسِ أنَ الإسلامَ مجموعةٌ منْ الطقوسِ المنعزلةِ عنْ الأخلاق، بينما القرآنُ يجعلُ الأخلاق أساس الإيمان، والعدلِ أساس الحكم، والرحمةِ أساس التعامل.
-رسالةٌ إلى العالم: إذا أردت أنْ تعرفَ الإسلام، فلا تبدأُ بأخطاءِ بعض المسلمين، كما لا تحكمُ على الطبِ بأخطاءِ طبيب، ولا على القانونِ بفسادِ قاض، دعونا نقرأُ القرآنَ بروحِ الباحثِ عنْ الحقيقة، وتأمل سيرةْ نبينا محمد بن عبد الله (ص ) ، الذي عرفَ قبلَ النبوةِ بالصادقِ الأمين، والذي علمَ أنَ خيرَ الناسِ أنفعهمْ للناس، وأنَ الرحمةَ أقوى منْ القسوة، وأنَ العدلَ أسمى منْ الانتقام.
إنَ الإسلامَ الحقيقيَ لا يصنعُ الكراهية، بلْ يصنعُ الإنسان، لا يدعو إلى الاعتداء، بلْ إلى دفعه، لا يقدسُ المال، بلْ يقدسُ الكرامة، لا يرفعُ الشعارات، بلْ يرفعُ الأخلاق، فإذا عادَ المسلمُ إلى هذهِ الجذور، عادَ الإسلامُ كما أرادهُ الله: نورٌ يهدي، ورحمة تشمل، وعدلاً يقيمُ الحياة، وسلاما يطمئنُ إليهِ الإنسان، أيا كانَ دينه أوْ لونه أوْ قوميته. هذا هوَ الإسلامُ الذي يحتاجُ العالمُ أنْ يعرفه، ويحتاجَ المسلم قبلَ غيرهِ أنْ يعيش.
✦ كتابات في الميزان ✦
يقدّم النص دفاعًا هادئًا عن جوهر الإسلام، بعيدًا عن أخطاء بعض المنتسبين إليه أو الممارسات التي تشوّه صورته.
ويؤكد أن الإسلام دين سلام ورحمة وعدل وعقل، وأن الأخلاق هي روحه قبل الشعارات والطقوس.
كما يلفت إلى أهمية نصرة الفقير، والمال الحلال، والتواضع، والتمييز بين جوهر الدين وفهم البشر له.
ويخلص إلى أن الإسلام الحقيقي يصنع الإنسان، وينشر الرحمة، ويقيم الحياة على العدل والكرامة والسلام.
