كان العراقيون يضربون الأمثال في ذمّ السارق، فلا يجد مكاناً بين الناس إلا وهو مطأطئ الرأس، يخشى انكشاف أمره، ويهرب من نظرات المجتمع قبل أن يهرب من القانون. أما اليوم، فقد تبدلت الصورة في بعض الحالات، حتى أصبح البعض يتباهى بما جمعه من أموال وعقارات ومواكب سيارات، وكأن المال العام غنيمة لا أمانة.
في الماضي كانت سرقات "الحَوْف" ـ وهي السرقات البسيطة التي كانت تطال بعض المحاصيل أو المواشي أو الممتلكات المحدودة ـ تعد وصمة عار، وكان أهل القرى والعشائر يلاحقون مرتكبها ويطالبونه برد الحقوق، لأن المجتمع كان يرى أن السرقة تهدم الشرف قبل أن تهدم المال.
أما اليوم فقد تغيّر حجم الجريمة؛ فلم تعد القضية سرقة رأس غنم أو كيس حنطة، بل الحديث عن مليارات من المال العام، وعقارات، ومشاريع وهمية، وعقود فساد، ورواتب وامتيازات، حتى باتت بعض مظاهر الثراء الفاحش تثير التساؤلات حول مصادرها.
إن نجاح أي حملة لمكافحة الفساد لا يقاس بعدد أوامر القبض فقط، بل بعودة الثقافة العراقية الأصيلة التي كانت تعتبر الاعتداء على المال العام عاراً لا مفخرة، وجريمة لا وجاهة. فالمجتمع الذي كان يعيّر من يسرق دجاجة أو شاة، أولى به أن يرفض من يعبث بمليارات الدولة، لأن المال العام هو حق ملايين العراقيين، وليس غنيمة لمن يصل إلى المنصب. فحين يعود الخوف من القانون، ويعود الحياء من المجتمع، وتُسترد الأموال المنهوبة، يمكن القول إن العراق بدأ يطوي صفحة الفساد نحو دولة العدالة وسيادة القانون.
