قبسات من وهج الصحيفة السجادية


عاصر الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) عدداً من الحكّام الأمويين في مرحلة تُعدّ من أشد المراحل السياسية اضطراباً بعد معركة كربلاء، واستشهاد أبيه (عليه السلام). فكان تعامله معهم قائماً على الحكمة والصبر ولأجل حفظ الرسالة الإسلامية من الضياع، بعيداً عن المواجهة العسكرية المباشرة التي كانت ستؤدي إلى القضاء على البقية الباقية من أهل البيت (عليهم السلام) وأتباعهم.
لقد أدرك الإمام السجاد أن الأمة ـ بعد واقعة الطف المأساوية ـ  كانت منهكة وخائفة، فاختار إعادة بناء الإنسان المسلم من الداخل، والاهتمام بكيفية اعادة تأهيل الشخصية وتنمية إيمانها ثانية بعد التراجع الذي أصاب الأمة بسبب ما حدث في كربلاء. 
ولذلك يُنظر إلى الإمام زين العابدين السجاد بوصفه "إمام الثورة الروحية" بعد الثورة الحسينية. ومع ذلك، لم يقد السجاد أي ثورة مسلحة ضد انظمة الحكم التي عاصرها.
حيث عاصر الإمام زين العابدين (عليه السلام) خلال مدّة إمامته عدداً من الحكّام الأمويّين، وهم: يزيد بن معاوية، معاوية بن يزيد، مروان بن الحكم، عبد الملك بن مروان، الوليد بن عبد الملك. وهذا يعني أن هناك ضغوطاً كبيرة على أهل البيت (عليهم السلام) وأتباعهم، وكذلك وجود المضايقات وتكميم الأفواه فلن يستطيع أحد معارضة أولئك الظلمة، لذا فإنه (عليه السلام) انتهج منهج الدعاء كوسيلة لتوعية الأمة واعطائها دروساً في الحياة والعقيدة والأخلاق بصورة غير مباشرة. وما مجموعة الأدعية التي بين أيدينا اليوم والتي تسمى (الصحيفة السجادية) إلا هي نتاج تلك المرحلة المظلمة التي انارها (عليه السلام) بأدعيته المأثورة التي تحتوي على كنوز من المعارف الإسلامية والعقائدية والتربوية، وتعمل على تهذيب الروح وتزكية النفس وكيفية محاسبتها، حتى أطلق على هذه الأدعية والمناجاة بـ (زبور آل محمد) و (إنجيل أهل البيت) كما إنها وصفت بـ (أخت القرآن) لما فيها من حكم وإرشاد وتوعية للمجتمع. ولو انعمنا النظر بكلمات الإمام السجاد (عليه السلام) وهو يخاطب الباري عز وجل نجد لغة التأدب معه سبحانه وهو يرشد الأمة إلى الاعتماد الحقيقي على الله والتوكل عليه بكل تفاصيل المسيرة البشرية في الدنيا والآخرة، كقوله (عليه السلام): "الْحَمْدُ لِلهِ الْأَوَّلِ بِلَا أَوَّلٍ كَانَ قَبْلَهُ، والْآخِرِ بِلَا آخِرٍ يَكُونُ بَعْدَهُ الَّذِي قَصُرَتْ عَنْ رُؤْيَتِهِ أَبْصَارُ النَّاظِرِينَ، وعَجَزَتْ عَنْ نَعْتِهِ أَوْهَامُ الْوَاصِفِينَ". ونراه (عليه السلام) كيف يتضرع إلى الله سبحانه وكيف يذوب به ويقر بعبوديته وافتقاره لرحمته. 
كما كان يحث الأمة بعدم الركون للظلم والظالمين وعدم الانجرار بأساليبهم التي يحاولون استغلال الأمة من أجل تحقيق مآربهم ومصالحهم الدنيوية الضيقة فيحاول (عليه السلام) أن يبث الوعي وحالة الرفض لتلك الأساليب التي تبعدهم عن جادة الحق والصواب، كقوله: "أَللَّهُمَّ فَكَمَا كَرَّهْتَ إِلَيَّ أَنْ أُظْلَمَ فَقِنِي مِنْ أَنْ أَظْلِمَ، اللَّهُمَّ لا أَشْكُو إِلَى أَحَدٍ سِوَاكَ، وَلا أَسْتَعِينُ بِحَاكِمٍ غَيْرِكَ".
وكثيرة هي الدروس والعبر التي يفتقر لها الناس والتي ذكرت في الصحيفة السجادية المباركة. ومن كثرة أدعيته عليه السلام فقد صنفت له عدة صحائف كالمناجاة ورسالة الحقوق والزهد وغيرها، وكل واحدة منها تحتاج إلى مجلدات من أجل الوقوف على أهميتها والمعاني العظيمة لها.

السجاد.jpg