يواصل العدد (187) من مجلة النجف الأشرف نهجه المعهود في الجمع بين المعرفة والثقافة والتربية والتاريخ والدين، مقدماً باقة متنوعة من البحوث والمقالات التي تلامس اهتمامات القارئ الفكرية والإنسانية. وقد تنوعت موضوعات هذا العدد بين معالجة قضايا الاختلاف الاجتماعي، وتسليط الضوء على الجهود الإنسانية والخيرية، واستحضار الذاكرة التراثية للنجف الأشرف، فضلاً عن التوقف عند موضوعات علمية وطبية معاصرة تتصل باللقاحات ومواجهة الأوبئة، إلى جانب دراسات تاريخية تناولت أحداثاً وشخصيات من التاريخ الإسلامي واليمني.
كما أولى العدد اهتماماً بالجوانب التربوية والأخلاقية، فناقش دور المعلم في بناء الأجيال وصناعة الوعي، واستعرض جملة من التوجيهات الدينية والاجتماعية التي تعزز القيم الإنسانية الأصيلة، ليقدم للقارئ مادة متوازنة تجمع بين الفائدة العلمية والتوجيه الأخلاقي والمعرفة التاريخية، في إطار من الطرح الرصين والأسلوب الهادف.
أول الكلام: الخلاف
الكاتب: السيد غيث شبر
يتناول الكاتب ظاهرة الاختلاف بوصفها سنة اجتماعية ملازمة لوجود الإنسان وتنوع المجتمعات، ويرى أن محاولات إلغاء الخلاف أو القضاء عليه محكوم عليها بالفشل لأنها تتعارض مع طبيعة البشر. ويدعو إلى التعامل مع الاختلاف بوصفه فرصة للحوار والتكامل لا سبباً للصراع، مستثمراً جوانبه الإيجابية في البناء الاجتماعي والإداري. كما يؤكد أن الحرية الحقيقية تكمن في تمحيص الآراء والمواقف المختلفة لا في مصادرتها.
ويؤثرون على أنفسهم.. حراك إنساني لمؤسسة العين
يعرض التقرير جانباً من النشاط الإنساني الذي تضطلع به مؤسسة العين للرعاية الاجتماعية في دعم الأيتام، إذ يشير إلى اتساع أعداد المشمولين بالرعاية واستمرار تقديم الخدمات رغم ظروف جائحة كورونا. كما يبرز اعتماد الوسائل الإلكترونية في إيصال المستحقات المالية للأيتام بما ينسجم مع متطلبات السلامة الصحية والتطور التقني. ويعكس التقرير صورة للتكافل الاجتماعي الذي تتبناه المؤسسة في رعاية الشرائح الأكثر حاجة.
لمحات نجفية: عكد شايع.. محلة البراق الجغرافية الاجتماعية التراثية
الكاتب: البروفيسور د. صادق المخزومي
يأخذنا الكاتب في جولة توثيقية داخل أحد الأزقة النجفية العريقة، مستعرضاً أسماء الأسر والشخصيات التي سكنت المنطقة وأدوارها الاجتماعية والدينية. ويكشف المقال عن جانب مهم من الذاكرة الشعبية للنجف الأشرف، بما تحمله من مجالس وعادات ومواكب ومظاهر تراثية متوارثة. كما يبرز قيمة المكان بوصفه حاضناً لهوية المدينة وتاريخها الاجتماعي والثقافي.
اللقاحات.. سلاح البشرية في مواجهة الأوبئة
يتناول البحث أهمية اللقاحات بوصفها من أعظم الإنجازات الطبية في العصر الحديث، إذ أسهمت في تقليص أمراض خطيرة مثل شلل الأطفال والحصبة والكزاز بنسبة كبيرة جداً. ويشرح آلية عمل اللقاح من خلال تحفيز الجهاز المناعي لتكوين ذاكرة مناعية قادرة على التصدي لمسببات الأمراض عند التعرض لها مستقبلاً. كما يؤكد أن فوائد اللقاحات تفوق بمراحل ما قد يرافقها من آثار جانبية بسيطة ومؤقتة.
ويستعرض هذا البحث شرحاً علمياً مبسطاً لعمل الجهاز المناعي في التعرف على الأجسام الغريبة كالفيروسات والبكتيريا والفطريات، وتكوين الأجسام المضادة والخلايا الدفاعية لمهاجمتها. كما يوضح دور "خلايا الذاكرة" في منح الإنسان مناعة طويلة الأمد، وهي الأساس الذي تعتمد عليه اللقاحات في توفير الحماية المستقبلية من الأمراض المعدية.
يتناول البحث ايضا نماذج من اللقاحات التي بلغت مراحل متقدمة من التطوير، مثل لقاح شركة موديرنا الأمريكية، ولقاح أسترازينيكا بالتعاون مع جامعة أكسفورد، إضافة إلى لقاحات أخرى عالمية. ويركز على النتائج الأولية للتجارب السريرية ومدى قدرتها على تحفيز المناعة وتقليل خطر الإصابة بالمرض، مع الإشارة إلى أهمية استمرار الاختبارات قبل اعتمادها رسمياً.
أبو هاون
عبد علي الساعدي
يأخذنا الكاتب في رحلة فلكلورية ممتعة إلى إحدى قرى جنوب العراق الواقعة على ضفاف نهر الغراف، موضحاً قصة تسميتها بـ"أبو هاون". ويربط التسمية بعادةٍ اتبعها أحد السادة الذين استوطنوا المنطقة، إذ كان يُسمع صوت الهاون طوال الليل ليهتدي به عابرو السبيل إلى مضيفه. ويقدم المقال صورةً اجتماعية وتاريخية عن أنماط السكن والزراعة والعلاقات العشائرية في تلك المرحلة، مما يجعله توثيقاً مهماً للذاكرة الشعبية العراقية.
تاج الدين والتاجية
المهندس الاستشاري تحسين عمارة
يستعرض المقال سيرة السيد تاج الدين الحسيني ودوره في الإشراف على مشروع حفر نهر أوصل مياه الفرات إلى النجف والكوفة في العصر الإيلخاني. ويبين كيف خلد التاريخ اسمه من خلال إطلاقه على مناطق واسعة ومقاطعات زراعية عرفت بـ"التاجية". كما يسلط الضوء على جهوده العمرانية والخيرية وأثرها في إحياء الأراضي وتنشيط الحياة الزراعية والعمرانية في تلك البقاع.
موجز أخبار المملكة الصليحية (الجزء الأول)
باسم الساعدي
يعرض الكاتب نشأة الدولة الصليحية في اليمن على يد علي بن محمد الصليحي، متتبعاً تحوله من البيئة السنية إلى الدعوة الإسماعيلية، ثم نجاحه في تأسيس دولة قوية استطاعت توحيد أجزاء واسعة من اليمن. ويبرز المقال شخصية الصليحي بوصفه قائداً سياسياً وعسكرياً بارزاً امتلك قدرة على استقطاب القبائل وإدارة الصراعات، فضلاً عن اهتمامه بالعمران والإدارة.
ثم يتناول البحث ايضا بدايات الثورة التي قادها الصليحي من جبال حراز، وكيف استطاع خلال سنوات قليلة أن يحول دعوته إلى مشروع سياسي واسع النفوذ. ويشرح الكاتب مراحل السيطرة على المدن اليمنية الكبرى مثل صنعاء وعدن، مع بيان الأساليب السياسية والعسكرية التي اعتمدها لترسيخ سلطانه وبناء دولته.
ويرسم البحث صورة لشخصية الملك الصليحي من خلال صفاته الفكرية والسياسية، إذ عُرف بالدهاء والاطلاع الواسع على الفكر الإسماعيلي، كما اشتهر بالتسامح مع خصومه وعدم الإكثار من سفك الدماء بعد الانتصار عليهم. ويتوقف الكاتب عند مظاهر الحياة السياسية والاجتماعية في عهده، ومنها إشراك زوجته أسماء بنت شهاب في بعض شؤون الحكم وذكرها في الخطبة.
واخيرا يستعرض البحث نهاية الملك الصليحي خلال رحلته إلى الحج، عندما تمكن أبناء خصومه من مباغتته وقتله مع عدد من مرافقيه. ويبين المقال تفاصيل المعركة والظروف التي أدت إلى مقتله، وما تبع ذلك من اضطرابات سياسية وصراع على السلطة في اليمن، لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ الدولة الصليحية.
يكشف العدد (187) من مجلة النجف الأشرف عن حرص هيئة التحرير على تقديم محتوى متنوع يجمع بين الأصالة والمعاصرة، ويخاطب العقل والوجدان في آن واحد. فقد تنقلت موضوعاته بين ميادين الفكر والتاريخ والتربية والطب والاجتماع، مقدمة للقارئ رؤية شاملة تسهم في توسيع مداركه وتعميق وعيه بالقضايا المختلفة.
وتؤكد المواد المنشورة في هذا العدد أن بناء الإنسان الواعي يظل الهدف الأسمى للثقافة والمعرفة، سواء من خلال ترسيخ القيم الأخلاقية، أو تعزيز الوعي العلمي، أو استحضار التجارب التاريخية والإنسانية الملهمة. ومن هنا يخرج القارئ بانطباع مفاده أن المجلة لا تكتفي بعرض المعلومات، بل تسعى إلى بناء رؤية متكاملة تُسهم في صناعة الفكر الرشيد والإنسان المسؤول، وهو ما يمنح هذا العدد قيمة معرفية وثقافية جديرة بالمتابعة والاهتمام.