مواقع التواصل الاجتماعي بين التشاؤم وثقافة التهجم

في الوقت الذي كان يُفترض أن تكون فيه مواقع التواصل الاجتماعي مساحةً للتواصل وتبادل المعرفة وبناء الوعي، تحولت عند بعض المستخدمين إلى منصات لنشر التشاؤم وإطلاق الأحكام والاتهامات والتجريح بالآخرين دون دليل أو بيّنة. والأخطر من ذلك أن هذه المنشورات كثيرًا ما تحظى بتفاعل واسع وإعجابات وتعليقات تشجع أصحابها على الاستمرار في هذا النهج، حتى أصبح التهجم أحيانًا أكثر جذبًا للانتباه من الكلمة الرصينة والحقيقة الموثقة.

إن من المؤسف أن نرى بعض الناس يتسابقون إلى تصديق الإشاعات وتداول الأخبار السلبية، بل والمشاركة في حملات التشهير والطعن بالآخرين دون التحقق من صحة ما يُنشر. وقد حذر القرآن الكريم من هذا السلوك بقوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 6].

فالواجب الشرعي والأخلاقي يقتضي التثبت قبل إصدار الأحكام أو إعادة نشر الاتهامات، لأن الكلمة قد تهدم سمعة إنسان أو مؤسسة أو مجتمع بأكمله.

كما نهى الله تعالى عن سوء الظن وتتبع العيوب فقال:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: 12].

وقال سبحانه:

﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18].

فكل كلمة يكتبها الإنسان أو ينشرها أو يؤيدها بإعجاب أو مشاركة هي مسؤولية أخلاقية ودينية سيسأل عنها أمام الله تعالى.

وقد ورد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام):

«كفى بالمرء جهلاً أن يحدث بكل ما سمع».

وهذا الحديث يمثل قاعدة ذهبية في زمن وسائل التواصل؛ فليس كل ما يُنشر صحيحًا، وليس كل ما يُقال يستحق أن يُنقل أو يُروَّج له.

وعن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام):

«كونوا دعاةً لنا بغير ألسنتكم».

فالمؤمن الحقيقي لا يكون أداةً لنشر الكراهية أو الإشاعة أو التشهير، بل يكون نموذجًا للحكمة والإنصاف وحسن الخلق.

كما أكد العلماء مرارًا على خطورة الشائعات والطعن بالناس بغير دليل. فقد كان المرجع الديني الأعلى السيد علي السيستاني يدعو إلى التثبت من الأخبار وعدم الانجرار وراء ما يثير الفتن والانقسامات، والتعامل مع الأحداث بعقلانية ومسؤولية. وكذلك شدد العديد من العلماء والخطباء على أن الكلمة أمانة، وأن الظلم لا يقتصر على الفعل المباشر، بل قد يكون بالمشاركة في نشر الاتهام أو التفاعل معه دون علم أو دليل.

إن الإعجاب بمنشور مسيء أو إعادة نشره لا يخلو من أثر، فهو يمنح صاحبه شعورًا بالتأييد ويزيد من انتشار المحتوى السلبي. ولذلك ينبغي أن يتحول مستخدمو مواقع التواصل إلى أدوات لنشر الحقيقة والأمل والقيم الإيجابية بدل أن يكونوا وقودًا للإشاعات والتشاؤم والتجريح.

إن النقد الموضوعي حق مشروع، بل هو ضرورة للإصلاح والتقويم، لكنه يختلف جذريًا عن التهجم والتشهير وإطلاق الأحكام دون بينة. فالنقد يستند إلى الأدلة والوقائع، أما التهجم فيستند إلى الانفعال والظنون والأهواء.

وفي زمن أصبحت فيه ضغطة زر قادرة على الوصول إلى آلاف الناس، تزداد الحاجة إلى استحضار الضمير ومراقبة الله تعالى قبل النشر أو التعليق أو التفاعل. فالكلمة الطيبة صدقة، والكلمة الجارحة قد تكون ظلمًا لا يُغتفر إلا برد الحقوق إلى أصحابها.

ولعل من أهم ما نحتاجه اليوم هو أن نجعل من مواقع التواصل منابر للوعي والبناء والأمل، لا ساحات للتشاؤم والتجريح وتصفية الحسابات. فالمجتمعات لا تنهض بكثرة المنتقدين المتشائمين، وإنما تنهض بكثرة العقلاء الذين يجمعون بين النقد المسؤول والإنصاف والبحث عن الحقيقة.

مواقع_التواصل.jpg