على مدى أكثر من عقدين، واظب الأستاذ المثقف على انتقاد الحكومات التي تعاقبت بعد عام 2003، مقدّمًا نفسه بوصفه حاملَ مشروعٍ وطنيٍّ إصلاحي، وصوتًا يمارس النقد المسؤول دفاعًا عن الدولة ومؤسساتها. غير أنّ المشهد تبدّل بصورة لافتة عندما جرى تداول اسمه في إحدى منصات التواصل الاجتماعي مرشحًا محتملاً ضمن التشكيلة الحكومية الجديدة؛ إذ سرعان ما انهالت عليه التهاني من الأصدقاء والمحبين، وبدأ هو الآخر يتحدث بتفاؤل عن مرحلة قادمة عنوانها الإصلاح والخير، مبشرًا بإمكانية تجاوز نظام المحاصصة، وفتح المجال أمام الكفاءات والخبرات الوطنية لتتولى مواقع المسؤولية، وهي تطلعات طالما حلم بها، وشاركه فيها كثيرون.
وبعدَ تصاعدِ هذا الخطابِ الوطني، أخذتْ مواقفهُ تنحرفُ تدريجيا عنْ الأسسِ التي طالما دافعَ عنها، وراحَ يستخدمُ لغةً سياسيةً مغايرة، بدتْ فيها الأفكارُ التي كانَ يرفضها بالأمس، وكأنها أصبحتْ اليومَ مقبولةً ومبررة، تحتَ ذريعةِ أنها تستقطبُ النخبَ والشخصياتِ الوطنيةَ بعيدا عنْ منطقِ التقاسمِ السياسي.
وما إنْ أدركَ أنَ طرحَ اسمهِ في وسائلِ الإعلام، لمْ يكنْ سوى محاولةٍ لذرِ الرمادِ في العيون، وكسب الشارعِ لأيامٍ معدودة، والغيّ منْ قائمةِ الترشيحِ للمنصبِ الحكومي، حتى عادَ إلى خطابهِ المعتاد؛ متشبثا بوطنيتهِ ومبادئه، وموجهي نقدهِ لجميعِ الحكوماتِ والتعييناتِ والترشيحاتِ الجديدةِ التي قامتْ على أساسِ المحاصصةِ لا على الخبرةِ والكفاءة، وهكذا انقلبتْ المواقف، وتبدلتْ المبادئ، بعدما طغتْ المصالحُ على كلِ شيء.
إنَ المبادئَ والوطنيةَ لا تقاسانِ بالمناصب، ولا تتغيرانِ بتغيرِ الفرص، فالقيمُ الحقيقيةُ تبقى ثابتةٌ مهما تبدلتْ الظروف، أما المناصب، فهيَ زائلة، لا قيمةً لها إنْ جاءتْ على حسابِ الاحترامِ والصدقِ والثباتِ على الموقف، وكما يقال: إنها مجردُ (وسخ دنيا) ، لا ينبغي أنْ يكونَ ثمنها التفريط بالمبادئِ أوْ خسارةِ ثقةِ الناس. وهنا تكمنُ المفارقة؛ إذْ إنَ أيَ مشروعٍ إصلاحي، لا يمكنُ أنْ يكتسبَ مشروعيتهُ منْ شعاراتٍ عابرةٍ أوْ وعود ظرفية، ما دامَ البناءُ الدستوريُ والمؤسساتيُ الذي يقومُ عليهِ ما يزالُ معيبا في أساسه.
يكاد أن يتفقان القانونَ والسياسةَ ،ِ على أنَ سلامةَ البنيان، الذي يبدأُ منْ سلامةِ القاعدةِ التي يشيدُ عليها، وأنَ الخللَ الموجودَ في الأساسِ لا تعالجهُ الزخارف، ولا تبدلهُ العنوانينِ الرنانة، وما لمْ تعالجْ الاختلالات البنيوية، التي أفرزتْ المحاصصة، وأضعفتْ مفهومَ الدولة، فإنَ الجدرانَ ستظلُ مهتزة، قابلةً للتصدعِ والسقوطِ عندَ أولِ اختبارٍ حقيقي، مهما جرى تزيينُ المشهدِ بخطاباتِ الوطنيةِ والإصلاح.
إن التغيرُ الحقيقي، حينَ يكونُ نابعا منْ وعيٍ ونضجٍ يعدُ قوة، أما إذا كانَ لمصالحَ عابرة، فإنهُ يفقدُ صاحبهُ ثقةَ الآخرينَ واحترامهم، لذلكَ تبقى المواقفُ الأصيلةُ هيَ الميزان الحقيقيّ الذي يكشفُ معدنَ الإنسان، مهما تغيرتْ الظروفُ والأزمان، ويبقى الثباتُ على المبادئِ علامةً فارقةً في الصدقِ والثبات.
