عيدُ العمّال بين إنسانيّةِ الكفاح ونصوصِ القانون

 لم يولد عيدُ العمّال من فراغ، ولم يكن يومًا أُضيف إلى رزنامة المناسبات بوصفه عطلةً عابرة، بل خرج من رحم المعاناة، ومن تعبِ أناسٍ كانت أيديهم تبني المدن فيما حقوقهم تُهدم بصمت.

ففي أواخر القرن التاسع عشر كان العمّال في مدينة( Chicago) يعملون لساعاتٍ طويلة قد تتجاوز أربع عشرة ساعة يوميًا، وسط ظروفٍ قاسية لا تراعي إنسانيّة الإنسان، ولا حقَّه في الراحة، والكرامة، والأمان.
وفي عام ( 1886) خرج آلاف العمّال في احتجاجاتٍ واسعة للمطالبة بتحديد ساعات العمل بثماني ساعات فقط، لتتحوّل تلك المظاهرات لاحقًا إلى صداماتٍ عُرفت بحادثة "هايماركت" ، وسقط خلالها عددٌ من العمّال، والشرطة، لكنّ دماء أولئك العمّال لم تذهب هباءً، بل أصبحت رمزًا عالميًا لنضال الطبقة العاملة، وحقّ الإنسان في العمل الكريم. ومنذ ذلك الحين أُقرّ الأوّل من أيّار عيدًا عالميًا للعمّال في كثيرٍ من دول العالم.
ومن هنا، لم يكن عيدُ العمّال مجرّد يوم عطلة، بل اعترافًا قانونيًا، وأخلاقيًا بأنّ العامل ليس آلةً للإنتاج، بل إنسانٌ له حقّ الحياة الكريمة، والأجر العادل، والراحة، والضمان، والأمان الوظيفي. فالقوانين التي تنظّم ساعات العمل، وتحمي من الاستغلال، وتمنع التعسّف، لم تُمنح تفضّلًا، بل جاءت بعد سنواتٍ من المطالبة والتضحيات.
وفي العراق، ظلّ الأوّل من أيّار معروفًا باسم "عيد العمّال" ، بوصفه مناسبةً ترتبط بالطبقة العاملة، والحقوق النقابيّة، لكن مع مرور الزمن أخذ الخطاب الإداري، والإعلامي لدى بعض الجهات يستبدل التسمية تدريجيًا بتعبير "عيد الموظّفين" ، وكأنّ مفهوم العمل اختُزل بالوظيفة الحكوميّة فقط، رغم أنّ العامل أشمل من الموظّف، وأوسع من حدود الدوام الرسمي، والمكاتب.
فالعمّال الحقيقيّون لا يقتصرون على موظّفي الدولة، بل يشملون البنّاء، والفلاح، وسائق الأجرة، وعامل التنظيف، والحدّاد، وكلَّ يدٍ تُتعب نفسها لتُبقي الحياة قائمة؛ ولهذا فإنّ حصر المناسبة بفئةٍ محدّدة يُفقدها شيئًا من معناها الإنساني؛ لأنّ فلسفة عيد العمّال قائمة على تكريم الجهد الإنساني أيًّا كان شكله، لا على الصفة الوظيفيّة وحدها.
ولتوضيح ذلك من الناحية القانونيّة فإنّ المُشرِّع العراقي لم يترك مفهوم ( الموظّف) دون تعريف، بل حدّده في أكثر من تشريع بحسب الغاية التي ينظّمها كلّ قانون، فقد نصّ قانون الخدمة المدنيّة رقم (24) لسنة 1960 المعدَّل في المادّة (2) 
 على أنّ الموظّف هو: " كلُّ شخصٍ عُهِدت إليه وظيفةٌ دائمة داخلةٌ في الملاك الخاصّ بالموظّفين"، 
ويُفهم من ذلك أنّ الموظّف هو شخص يرتبط بالدولة برابطةٍ وظيفيّة دائمة، ويتقاضى راتبًا مقابل خدمةٍ يؤدّيها ضمن الملاك الرسمي للمؤسسة، أو الدائرة الحكوميّة. أمّا قانون انضباط موظفي الدولة رقم (14) لسنة 1991 المعدَّل فقد وسّع المفهوم نوعًا ما، فعَرَّف الموظّف في المادّة (1/ ثالثًا) بأنّه: "كلُّ شخصٍ عُهِدت إليه وظيفةٌ داخل ملاك الوزارة أو الجهة غير المرتبطة بوزارة"، وهنا لم يشترط القانون الديمومة كما في قانون الخدمة المدنيّة؛ لكي يشمل الموظّفين المؤقّتين أيضًا ضمن إطار المساءلة، والانضباط الوظيفي.
كما جاء قانون التقاعد الموحّد رقم ( 9) لسنة 2014 المعدَّل بتعريفٍ أوسع للموظّف، فنصّ في المادّة (1/ سابعًا) على أنّه: "كلُّ شخصٍ عُهِدت إليه وظيفةٌ مدنيّة أو عسكريّة أو ضمن قوى الأمن أو مُكلّف بخدمةٍ عامّة، ويتقاضى راتبًا أو أجرًا أو مكافأةً من الدولة، وتُستقطع منه التوقيفات التقاعديّة" ، ويظهر من هذا التعريف أنّ قانون التقاعد لم يحصر الموظّف بموظّفي الخدمة المدنيّة فقط، بل شمل العسكريّين، ومنتسبي قوى الأمن، وكلَّ من تربطه بالدولة خدمةٌ يترتّب عليها استقطاعٌ تقاعدي.
أمّا ( العامل) ، فقد عرّفه قانون العمل رقم (37) لسنة 201‪5
 المعدَّل في المادّة (1/ سادسًا) بأنّه: "كلُّ شخصٍ طبيعي يعمل بتوجيه وإشراف صاحب عمل وتحت إدارته، سواء أكان بعقدٍ مكتوب أم شفوي، صريح أم ضمني، لقاء أجر".
ويُلاحظ أنّ المشرّع العراقي وسّع مفهوم العامل، فلم يقتصر على العمل الجسدي فقط، بل شمل العمل الفكري أيضًا، كما لم يشترط وجود عقدٍ مكتوب، بل اكتفى بقيام علاقة العمل فعلًا.
كما عرّف القانون (العمل) في المادّة نفسها وتحديدًا الفقرة (خامسًا) بأنّه: "كلُّ جهدٍ إنساني فكري أو جسماني يُبذل لقاء أجر، سواء أكان دائمًا أم مؤقتًا أم موسميًا".
ومن هنا يظهر الفرق القانوني بين الموظّف، والعامل، وكذلك المستخدم.
فالموظّف يرتبط بالدولة برابطةٍ تنظيميّة، وإداريّة، ويخضع لقوانين الخدمة، والانضباط، والتقاعد، أمّا العامل فيرتبط غالبًا بعقد عمل ويخضع لقانون العمل، والضمان الاجتماعي، بينما استُخدم مصطلح (المستخدم) في بعض التشريعات القديمة للدلالة على من يؤدّي خدمةً لقاء أجر دون تمتّعه بكامل صفات الموظّف الرسمي؛ ولهذا فإنّ وصف الأوّل من أيّار بـ"عيد الموظّفين" فقط يُعدّ تضييقًا لمعنى العمل؛ لأنّ الموظّف فئةٌ من فئات العمل، وليس العمل كلَّه. فاليد التي تبني، وتزرع، وتحمل، وتنظّف، وتنتج لا تقلّ شأنًا عن اليد التي تكتب، وتدير، وتوقّع.
وهكذا لا يمكن اختزالُ معنى العامل بصفةٍ وظيفيّة، أو حصره بمهنةٍ دون أخرى؛ لأنّ الإنسانَ في هذه الحياة كلّها كادحٌ يتعب لأجل رزقه، وكرامته، وأهله، ومستقبله، وحتّى لأجل نجاته بين يدي الله (تعالى). فالطالبُ عاملٌ في طلب العلم، والأمُّ عاملةٌ في تعب التربية، والفلاحُ في أرضه، والطبيبُ في إنقاذه للآخرين، والموظّفُ في خدمته، والعاملُ البسيطُ في قوته اليومي، وكأنّ الحياة بأسرها قائمةٌ على السعي، وعلى الأثر الذي يتركه الإنسان خلفه؛ ولذلك قال الله (تعالى): "يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ" الآية (6) من سورة الانشقاق، فالكدح هنا ليس تعبَ الجسد وحده، بل رحلةُ الإنسان كلّها صبرُه، وسعيُه، ومحاولاته، وما يبذله في دروب الحياة حتّى يلقى ربَّه بما عملت يداه. وقال (تعالى) أيضًا: "وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ" الآية (105) من سورة التوبة، فجعل العمل قيمةً يُرى أثرها، لا مجرّد وسيلةٍ للعيش، وربط بين السعي، والرقابة الإلهيّة، ليبقى الإنسان مسؤولًا عن أثره، وعدالته، وضميره في كلّ ما يقدّمه.
كما لم يُغفل دستورُ جمهوريّة العراق لسنة (2005) حمايةَ العمل، وصيانةَ حقوق العامل، بل أكّد ذلك في أكثر من موضع؛ انطلاقًا من كون العمل حقًّا يرتبط بكرامة الإنسان، واستقرار المجتمع، فقد نصّت المادة (22) من الدستور على أنّ: "العمل حقٌّ لكلّ العراقيّين بما يضمن لهم حياةً كريمة" ، كما أوجبت الدولة تنظيم العلاقة بين العمّال، وأصحاب العمل على أسسٍ اقتصاديّة، مع مراعاة قواعد العدالة الاجتماعيّة، وحماية حقوق العمّال. ونصّت المادة نفسها أيضًا على أنّ: "تكفل الدولة حقَّ تأسيس النقابات، والاتحادات المهنيّة، أو الانضمام إليها" وفي ذلك تأكيدٌ دستوريّ على حماية الحريّات النقابيّة، وحقّ العمّال في الدفاع عن مصالحهم، والمطالبة بحقوقهم بوسائل مشروعة.
كما يرتبط هذا المبدأ بما جاء في المادة (30) من الدستور، التي ألزمت الدولة بتحقيق الضمان الاجتماعي، والصحّي، وتوفير مقوّمات العيش الكريم للمواطن بما يحفظ كرامته الإنسانيّة.
ومن هنا يتّضح أنّ الدستور العراقي لم ينظر إلى العمل بوصفه مجرّد وسيلة للكسب، بل اعتبره حقًّا دستوريًّا، وركنًا من أركان العدالة الاجتماعيّة، والاستقرار الإنساني، وبناء الدولة.
ويظهر سبقُ التشريع الإسلامي لكلّ الأنظمة الحديثة في حفظ حقوق العامل، وصون كرامته؛ إذ لم يُنظر إلى العامل بوصفه وسيلة إنتاج، بل إنسانًا له حقٌّ ثابت، وأجرٌ لا يجوز تأخيره، أو بخسه، ومكانةٌ رفيعة عند الله (تعالى)؛ فقد ورد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) قوله: " أعطوا الأجير أجره قبل أن يجفّ عرقه"من لا يحضره الفقيه، وفي هذا النص تأكيدٌ واضح على الإسراع في أداء حقّ العامل، ومنع أيّة صورة من صور المماطلة، أو التسويف بعد إتمام العمل. كما قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام) : " من ظلم أجيرًا أجره، أحبط الله عمله، وحرّم عليه ريح الجنة" الكافي، وهو بيانٌ شديد اللهجة في التحذير من ظلم العامل، أو الانتقاص من حقّه؛ لما يمثّله ذلك من اعتداء على كرامة الإنسان التي صانها الله (تعالى).
وجاء عن الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) قوله: " من استعمل أجيرًا فليُعلمه أجره" وسائل الشيعة، وفي ذلك تأسيسٌ لمبدأ الوضوح، والشفافية في العلاقة بين العامل، وصاحب العمل؛ منعًا للغرر، أو النزاع. كما تقرّر في القاعدة العامّة المأثورة عن أهل البيت (عليهم السلام):
"لا يحلّ مال امرئٍ مسلم إلا بطيب نفسٍ منه" الكافي، وهو أصلٌ فقهيّ، وأخلاقيّ يؤكّد أنّ أي جهد، أو مال لا يُكتسب إلا برضا صاحبه الكامل، وطيب نفسه.
وهكذا يتبيّن أنّ الإسلام كان السبّاق في إقرار حقوق العامل، ووضع أسس العدالة في العمل، وربط الأجر بالكرامة، ومنع الظلم، والاستغلال بكلّ صوره.
كما ترتفع مكانة العامل في المنظور الإسلامي إلى منزلةٍ عظيمة عند الله (تعالى)؛ إذ يُعدّ سعيه عبادةً، وجهده قيمةً، وعمله طريقًا إلى القرب الإلهي، ما دام قائمًا على الصدق، والإتقان، والعدل. ومن هنا، فإنّ عيد العمّال لا ينبغي أن يكون مناسبةً لفئةٍ دون أخرى، بل تذكيرًا بأنّ كرامة الإنسان تبدأ من احترام تعبه، وأنّ العدالة لا تتحقّق بالشعارات وحدها، بل بحفظ الحقوق، وصيانة الجهد، وإنصاف كلّ يدٍ تُسهم في استمرار الحياة.
وقد ورد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) : " اليومَ عملٌ بلا حساب، وغدًا حسابٌ بلا عمل" نهج البلاغة، فالدنيا ميدانُ السعي، والآخرةُ موضعُ الجزاء، وبينهما يقف الإنسان بما قدّمه من عملٍ، وما تركه من أثرٍ، وما أفناه من عمره في خدمة الناس، وما خطّه من فعل صالح.

i-l-day20200430.jpg