دون كيشوت في نسختيه الأمريكية الحالية والروائية الإسبانية تطابق في الأوهام 

   الشعب الإيراني الذي صنع حريته بنفسه، بعد أن دفع من أجلها قوافل متواصلة من الشهداء، منذ قيام ثورته سنة 1963 وانتصارها سنة 1979، من الغباء أن يأتي أمريكي أحمق ليعيده إلى التبعية، بعنوان تحريره من نظام  إسلامي اختاره، ولم يفرضه عليه أحد.

يرى الكثيرون من المتأثرين بالقدرات الأمريكية والمأسورين بسياساتها، أن الرئيس الأمريكي وإدارته قادرون على تحقيق انتصار ما على إيران، خصوصا إذا ما أعطوا آذان عقولهم إلى الاعلام العالمي الذي لم يعطي يوما حقا لإيران خصوصا ولمظلومي دول وشعوب العالم عموما، وتلك نتائج من أسرج حلس عقله ليركبه تبّع الدعاية الغربية، التي أطنبت في جحد حقوق الدول والشعوب في التخلص من تبعية متلوّنة تظهر عليهم كل زمن بشكل مغاير للمظهر السابق.
دونالد ترامب رئيس أمريكا الحالي، تفتّقت سياسته على رعونة، لم يسبقه إليها رئيس قبله، حتى جيمي كارتر الذي حاول أن يباغت الثوار الإيرانيين في عاصمتهم بتنفيذ عملية عسكرية، كان هدفها تحرير رهائن السفارة الأمريكية، أطلقوا عليها اسم (مخلب النسر) في 25 أفريل 1980 فباغتته عاصفة رملية شديدة حجبت الرؤية عن طائراته ومن فيها من كومندوس واعتدة لم تتوقف الا بعد أن حطمت طائرتي نقل عملاقتين وهلاك من فيها، بينما تمكنت الثالثة من الإقلاع من مكانها بصحراء طبس بصعوبة، والفرار من جحيم عاصفة أراد الله أن يظهر بها بعضا من آيات قدرته، ودونالد ترامب، واتعجب كيف اختاره الشعب الأمريكي، ليقود بلادهم إلى مغامرة خطيرة، محسوبة خطأ بعقله الاستكباري المغالي في الاستهانة بدول وشعوب العالم، يبدو في حركته التي انخرط فيها، قريبة الشبه بشخصية (دون كيشوت)، كان استنبطها الروائي الاسباني (ميغيل دي ثيربانتس) أوائل القرن السابع عشر ميلادي، ليجعل منها بطل روايته الشهيرة، ولو كان مستشرفا للغيب كما كان شأن الفرنسي (نوستراداموس) الذي سبقه بقرن لأطلق على شخصية روايته دونالد ترامب.
شخصيتان حالمتان بمجد رأياه ممكنا، لعل صاحب الرواية الاسبانية كان قانعا بانتصارات وهميّة، بينما صاحب أمريكا الاستكبارية جرب مرتين، فلم يفلح فيما خطط له من تغيير نظام عتيد، بعد انتصار ثورة شعبية عارمة، لم تحدث مثلها في تاريخنا المعاصر، لو كان يدرك حقيقة نشأته وقيامه، وتضحياته قيادة وشعبا وتجذّره فكرا ومؤسسات، لما فكر في الوقوف بوجهه، وهنا تتفق الشخصيتان الحقيقية والروائية في أنهما مشتركتان في استمرار المغامرة إلى آخر المطاف، لكن نهاية دونكيشوت الأمريكي ستكون أكثر درامية من دونكيشوت الاسباني، وستكون نتيجة العدوان القادم كارثية ليس على ترامب وحده بل سيدفع الشعب الأمريكي ثمنا باهظا لسوء اختياره رئيسا معتوها مثله، وسيتحمل تبعات سياسته العدوانية بنهاية القوة الأمريكية، وقد آن الأوان لكي تزول، ويحلّ محلها نظام عالمي جديد يكون أساسه العدل وتكافؤ الفرص بين دوله وشعوبه.  
آخر ما تلفظ به دون كيشوت عصرنا هذا، وهو دائما كاذب فيما يدّعيه، وقد كذب مرارا وتكرارا بخصوص ايران، حتى عُدّ من كبار الكذابين في عالم قادة السياسة العالمية، أن هناك ردّا إيرانيا جاءه أخيرا وسيقوم بمراجعته، ولكنه مع ذلك لا يتوقع قبوله، باعتبار أن إيران في نظره لم تدقع ثمنا باهظا لحد الآن على ما ارتكبته منذ 47 عاما، بما يعنيه كلامه من ألم بقي لابسا العقل الاستكباري الأمريكي نتيجة الإهانة التي وجّهها لها طلبة الثورة الإسلامية حينها، والتي برهن بكلامه أنّ آثارها لا تزال عالقة في باطن العقل السياسي الأمريكي، وترامب يريد أن يقول إنّ تصفية الحساب عن تلك الحادثة لا تزال قابعة في متخيّل الرئيس، وسيعمل على تنفيذها.
اذا هي الحرب القادمة لا محالة، لكن كيف ستبدأ؟ وبأيّ طريق ستكون؟ أهي حرب تقليدية أم غيرها من الوسائل المدمّرة؟ كل شيء وارد، فأمريكا التي ضربت اليابان بالنووي لتخضعه في الحرب الكونية الثانية، بعد أن شارفت على الهزيمة في معاركها البحرية في بيرل هاربر، أواخر سنة 1941، حيث دمّر اليابانيون وألحقوا ضررا فادحا في أكثر من 21 سفينة حربية أمريكية قتل فيها ما يزيد عن 2400 من المارينز، مع أنني أشك في العدد من حيث قلّته، فعادة ما يكذب الأمريكيون لتغطية خسائرهم، كما يكذب الصهاينة تماما، فهما عرفان من شجرة استكبارية خبيثة واحدة.
وليس بالضرورة أن من سيبدأ المعركة هو من سينتصر فيها، لأننا أمام معسكرين الأوّل برهن على عدم كفاءة وصلاحية في قيادة العالم، وآن الأوان لكي يرتدع عن جرائمه ويتلقى عقابا، يجعله يعود إلى حجمه الحقيقي، في زمن أفلت نجوم بطولاته الهيليودية الكاذبة تركت آثارها السلبية بين شعوب العالم، والتي كان (رامبو) و(سبيدرمان) يصنعون انتصاراتها، التي سكنت في عقول من صدّق أن لأمريكا أبطالا خارقين، عصيّين على  الهزم، ومعسكرا ثان برهن على تعقل وايمان وتديّن راسخ، بأن أصحابه يستمدون قوّتهم من خالق عظيم، وعدهم بأنهم سيكونون حملة مشروع دينه الخاتم، وهو وعد غير مكذوب سيتحقق دون شك.
مشروع الحرية الذي هدد به دون كيشوت الأمريكي، كطواحين الهواء التي اعتبرها دون كيشوت الاسباني اعداءه، وانطلق لحربها فعلق بإحداها واسقطته أرضا ملحقة به اضرارا، ولا أراه في هذه المرّة سوى جانيا على نفسه وبلده، وسيقف العالم على هزيمة نكراء ستلحقه، وسيذعن هذه المرة للقبول بها، والنزول عند شروط إيران، التي ستخرج العالم من استبداد أمريكا، إلى مشروع حرّية حقيقي، تنعم فيه شعوب العالم بالأمن والاستقرار والحرية، بعيدا عن أوهام السياسة الأمريكية المستكبرة، لا اعتقد أن ترامب قرأ رواية دون كيشوت ولا كان في حياته مهتما بالأدب العالمي، فعقله مجرّد آلة حاسبة، أرقام لا تقدر على التحليل والتمييز خارج اطارها الرقمي، ولو قرأ رواية دون كيشوت لكان اعتبر منها، وهيهات أن يعتبر (ابستيمي) مريض من هذه الأمثلة الروائية التربوية.       

ايران.jpeg