التثبّت قبل النشر

 في بداية كل حرب ظالمة وجائرة، وبالخصوص في هذا الزمان، تبدأ معها سيل الأخبار على مدار الساعة دون توقف، وبعناوين عاجلة، وتحليلات متضاربة، ومقاطع مرئية وسمعية لا يُعلم صدقها من زيفها.

ولعل هذا الأمر يشكّل إعلانًا عن بدء مرحلةٍ جديدة من الحرب الإعلامية، تُضاف إلى الحرب العسكرية الهجومية.
لذا، فالمرحلة الراهنة تفرض على الجميع مستوى عالٍ من المسؤولية، سواء في نقل الأخبار أو في قراءة المشهد أو في ضبط الانفعال.
ومما لا شك فيه، ومع التطور التكنولوجي السريع في انتشار الخبر، نجد أنّ أخطر ما في الحروب في زمننا هذا، بأنها لا تستهدف تدمير البنى التحتية وحسب، بل تستهدف تدمير النفوس والعقول لإرباك الوضع النفسي للناس، لتدفعهم إلى الخوف قبل التحقق وفهمَ ما يجري.
من هنا، تبرز الحاجة الملحّة إلى موقفٍ مشترَك واعٍ متزن، يقوم على أساس التثبّت في نقل الأخبار، وقراءة المشهد بموضوعية، وفهمه ضمن سياقه السياسي قبل تداوله، بما يعزز الحفاظ على التوازن النفسي والأمني والاجتماعي، بعيدًا عن الانفعال أو الانجرار وراء الشائعات.
وكلما اشتدت الأزمات، تتضاعف مسؤولية الأفراد في التعامل مع الأخبار، نظرًا لأهمية التكليف الذي أُنيط بكل مكلّف يهمهُ إبراء ذمته من صحة تكليفه الشرعي.
سيما وأنّ المرحلة الراهنة لا تحتمل الارتجال، بل تستدعي مسؤولية جماعية في حفظ الوعي، وصون الكلمة، وترسيخ الثبات القيمي في مواجهة التحديات، والذي يفضي إلى حفظ الدماء أيضًا.
إنّ إعادة نشر أي معلومة أو خبر عاجل دون التأكد من مصدره ومصداقيته في هذه المرحلة، قد يؤدي إلى نتائج عكسية تتجاوز حدود التفاعل الشخصي.
من هنا تبرز ضرورة التحرّي والتثبت، لا على نحو الاختيار، إنما قد يصبح واجبًا شرعيًّا وأخلاقيًّا يمليه علينا العقل والوجدان.
أمّا ضبط اللسان والقلم، وعدم الانجرار خلف العناوين المثيرة أو التحليلات غير الموثوقة، فإنهما يمثلان خط الدفاع الأول في مواجهة الفوضى الإعلامية، التي يفتعلها العدو كسلاح يضاف إلى أسلحته العمياء التي لا تعرف الرحمة.
فالمؤمن ليس أداة في ماكينة تصدير أخبار استهلاكية، بل هو صاحب فكرة وحرص وبصيرة، يسعى دائمًا إلى زرع الأمان في النفوس قبل أن يتسلل القلق إليها فيُضعِف اليقين.
وفي مثل هذه المنعطفات الكبرى، يتجه قلب المؤمن نحو اليقين، بأنّ جبهة الحق منصورة لا محال، محفوظة بعين الله سبحانه رغم الخسائر، كما يستحضر الوعاة عقيدة الانتظار، والاستشعار الدائم للوجود الملكوتيّ لصاحب العصر والزمان الإمام المهدي المنتظر (عجّل اللهُ فرَجَهُ)، فهو الأمان الحقيقي لهذه الأمة، وعزاؤنا أنّه يدير المعركة بتدبير الله تعالى وعونه للمؤمنين.
وفي جميع الأحوال، يظل اليقين راسخًا بأن النصر الحقيقي بيد الله تعالى، وأن ما يجري من أحداث إنما هو جزء من سنن التاريخ التي تمضي بإرادته وحكمته.
﴿وَمَا النَّصْرُ إلَّا مِنْ عِندِ اللهِ إنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (الأنفال: ١٠).

الاعلام_الحرب.jpg