في رحاب الإمام الرضا (عليه السلام) ((ألقاب ودلالات .. سراج الله -١-))

   ونحن على أعتاب ولادة الإمام علي بن موسى الرضا "عليه السلام" يجب أنْ نتأمل سيرته المباركة العطرة؛ حيث حجة الله تعالى في أرضه وخليفة رسوله، والإمام المفترض طاعته على الخلق أجمعين ..
      ومن روائع سيرته وكلها رائعة تلك الألقاب المباركة التي تلازم شخصيته، وما في ذلك من آثار تربوية عظيمة للأمة عند التمسك بها؛ ولا غَرو في ذلك، فهم عِدْل القرآن والهداية من الضلال .. وهم سُفُن النجاة في بحر الظلمات كما سفينة نوح في الأمة .. وهم الأمان في الأرض كما النجوم في السماء ..
      ومن تلك الألقاب المباركة المهمة التي كانت للإمام الرضا "عليه السلام" (سراج الله)..
      فالسراج عامة معلوم الاستعمال في النور والضياء، وإراءة الطريق، ومعرفة حدوده، وتمييز الأشياء بعضها عن بعض ..
     وإطلاق السراج على الإنسان استعارة لمقامه في الهداية والصلاح لغيره من البشر، كما قال تعالى في النبي محمد "صلى الله عليه وآله وسلم": (﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾) [الأحزاب: ٤٥-٤٦] فقد كان أعظم سراج للأمة؛ إذ أخرج الناس من الظلمات إلى النور ..
     فعليُّ الرضا امتداد لجدِّه النبي الأكرم الذي كان في الأمة ﴿(وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾) .. 
     ووارث كتاب الله تعالى الذي أخرجهم من الظلمات إلى النور: ﴿(كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾) [إبراهيم: ١] 
     وإمام الأمة الذي بعثه الله لهداية الأمة (﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾) [الأنبياء: ٧٣]
     وسراجه "عليه السلام" في الأمة في مجالات متعددة يمكن بيانه بالآتي إجمالًا📖:
*أولًا : السراج العقائدي.
فكان "عليه السلام" سراج العقيدة وتعريف الأمة عقائدها ..
١- التوحيد.
حيث قال في بيان أمر الخالق والخلق: ((أَنْتَ لَمْ تَكُنْ ثُمَّ كُنْتَ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّكَ لَمْ تُكَوِّنَ نَفْسَكَ، وَلَا كَوَّنَكَ مَنْ هُوَ مِثْلُكَ!!)).
فما أعظمه من استدلال عقلي يلائم الفطرة الإنسانية، والعقل البشري، والواقع الذي نعيشه، ولا يمكن لأحد أنْ ينكره، أو يشكِّك فيه.

٢- النبوة.
وقال في بيان أمر النبوة والأنبياء: ((إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمَّا بَعَثَ مُوسَى "عليه السلام" كَانَ الْأَغْلَبُ عَلَى أَهْلِ عَصْرِهِ السِّحْرَ، فَأَتَاهُمْ مِنْ عِنْدِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ بِمَا لَمْ يَكُنْ فِيْ وُسْعِ الْقَوْمِ مِثْلُهُ .. وَإِنَّ اللهَ تَبَاركَ وَتَعَالَى بَعَثَ عِيْسَى "عليه السلام" فِيْ وَقْتٍ ظَهَرَتْ فِيْهِ الزَّمَانَاتُ وَاحْتَاجَ النَّاسُ إِلَى الطِّبِّ فَأَتَاهُمْ مِنْ عِنْدِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ بِمَا لَم يَكُنْ عِنْدَهُمْ مِثْلُهُ .. وَإِنَّ اللهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا "صلى الله عليه وآله وسلم" فِيْ وَقْتٍ كَانَ الْأَغْلَبُ عَلَى أَهْلِ عَصْرِهِ الْخُطَبَ وَالْكَلَاَمَ فَأَتَاهُمْ مِنْ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمَوَاعِظِهِ وَأَحْكَامِهِ مَا أَبْطَلَ بِهِ قَوْلَهُمْ وَأَثْبَتَ بِهِ الْحُجَّةَ عَلَيْهِمْ)).
      فما أجلُّه من بيان لآيات ودلالات المعجز الإلهي المقرون بدعوة نبوة الأنبياء، واختلافها بين الأنبياء، وإيمان الناس بها ودلالته على صدق نبوته، وأعظمها وأشرفها في خاتم النبيين والمرسلين؛ حيث أُمِّيَّته "صلى الله عليه وآله وسلم" وإتيانه بكتاب من جنس علومهم فأعجز فحولة العرب عن مجاراته، أو الإتيان بجزء مثله ﴿(وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾) [البقرة: ٢٣].

٣- الإمامة.
وقال في بيان أمر الإمامة وتنصيب الإمام: ((إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَقْبِضْ نَبِيَّهُ "صلى الله عليه وآله" حَتَّى أَكْمَلَ لَهُ الدِّيْنَ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ فِيْهِ تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ، بَيَّنَ فِيْهِ الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ، وَالْحُدُوْدَ وَالْأَحْكَامَ وَجَمِيْعَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ النَّاسُ كُمَّلًا، فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿(مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾) [الأنعام: ٣٨]، وَأَنْزَلَ فِيْ حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَهِيَ آخِرُ عُمُرِهِ "صلى الله عليه وآله": (﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾) [المائدة: ٣] وَأَمْرُ الإِمَامَةِ مِنْ تَمَامِ الدِّيْنِ، وَلَمْ يَمْضِ "صلى الله عليه وآله" حَتَّى بَيَّنَ لِأُمَّتِهِ مَعَالِمَ دِيْنِهِمْ، وَأَوْضَحَ لَهُمْ سَبِيْلَهُمْ وَتَرَكَهُمْ عَلَى قَصْدِ سَبِيْلِ الْحَقِّ، وَأَقَامُ لَهُمْ عَلِيًّا "عليه السلام" عَلَمًا وَإِمَامًا، وَمَا تَرَكَ لَهُمْ شَيْئًا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْأُمَّةُ إِلَّا بَيَّنَهُ، فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُكْمِلْ دِيْنَهُ فَقَدْ رَدَّ كِتَابَ اللهِ، وَمَنْ رَدَّ كِتَابَ اللهِ فَهُوَ كَافِرٌ بِهِ)).
      بيان عظيم في غاية الحجة والدلالة على كمال دين الله تعالى، وأنَّ المولى لا يترك العباد بعد رحيل نبيه في حيرة وضلالة، بل جعل لهم إمامًا هاديًا من بعده، حجة على عباده؛ يعلِّمهم دين الله الحق، ويهديهم إلى صراط مستقيم، فالإمامة أمر إلهي و﴿(اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾) [الأنعام: ١٢٤].
      فهذا (سراج الله) علي بن موسى الرضا في بيان عقيدة الله تعالى، وإخراج الناس من ظلمات الكفر والشرك إلى نور التوحيد، والفطرة السليمة.
[وإلى سراج قادم في إحياء أمرهم]

الامام_الرضا.jpg