الولوج الى الواقع يحتاج الى فهم شمولي لماهيّتين في آن واحد، ماهية التدوين وإبعاد المدوّن الصحفي ،ومن ثم ماهية الواقع بنوعيه التاريخي، واستلهامه لترصين الواقع المعاش بعد احتوائه معرفياً.. وهذا ما وضحته تجربة الكاتب أحمد صادق حين كان يشغل موقع سكرتير تحرير صدى الروضتين في مشواره مع عموده المنوع (مع الناس) إذ أنجز بالعديد من الأساليب المتنوعة، والتي تجعلنا نقف عند ماهية كل اسلوب بتمعن متأمل، فهو يرى في موضوع (الإعلام والنظرية الإسلامية)أن على المرسل أن يكون واعياً ويقظاً في كل ما يقدمه، بغية تحقق الموضوع الهادف والقادر على منح الاستقرار للمجتمع الإسلامي اليوم، من خلال إحساس الإنسان الفرد بعقله ووعيه التكاملي، دون تأثيرات المرسل، والذي يخلق حالة من الطمأنينة النفسية لديه ..وفي خضم هذه العملية، لا بدَّ من وجود نوع من الرقابة الاجتماعية، والتي بدورها ستنشئ رقابة ذاتية. ويحذر في موضوع (الأصداء) من الذين يتخذون الموضوع التاريخي وخاصة المقدس منه سلالم للارتقاء، بينما يتخذ الثائرون حسيناً (عليه السلام ) دليلاً ومشعلاً يحملونه في كل سبيل، واستلهموا من (هيهات منا الذلة) شعاراً تتربى الأجيال تحت ظلاله، ولتكون نتيجة هذا الموضوع دعوة للتدوين المتأمّل في ثنايا التأريخ الولائي، ومحاولة التركيز على أن حياة الامام الحسين(عليه السلام ) هي حياة التاريخ، كما يعبر عنها الكاتب، وهذا يعني أننا أولاً لا بدَّ أن ننصف هذه النهضة العملاقة تاريخياً، فالبيت الأموي بصورة عامة ومعاوية ويزيد بصورة خاصة، كانوا عازمين على محو الإسلام بكلّ الوسائل والسبل، وبعد هذا علينا استثمار هذه النهضة الحسينية لتحريك الواقع الإسلامي ضدَّ الحاكم الجائر، وضرب عروش الطغاة والظلمة والمفسدين، ولدرء أي خطر مستقبلي لأي حاكم يطغي داخل الحياة الإسلامية، وعلى أن يكون المدون المعروض يحاور ما يطرحه العصر من اشكاليات في جميع قيم المعاش والمديات الأسلوبية المتاحة، والتي بإمكانها استيعاب التنوع من خلال اعتماد الوسائل المعرفية: كالإيمان والوجدان والعاطفة، والقوة الشعورية الحلمية والحدسية المتعلقة أولاً بالصيرورة التاريخية لموضوع إيماني يحمل مرتكزات الرؤية، إذ يركز في موضوع ((هيهات منا الذلة)) على الصوت والصدى، حين يكون الحسين (عليه السلام) هو الصوت، لا بدّ أن نمثل نحن الصدى القوي البعيد عن مخادعة أحلام الآخرين، ولكي نعيد صياغة التواريخ من خلال سيرة أئمتنا (عليهم السلام) العطرة زهواً يؤسس للقادم من الأيام كلمة حق تدوي في كل حين، وليصير نحر كل موال حسيناً مباركا يثور في كل زمان بوجه أي انحراف يريد بركب الثائرين سوءاً .وفي موضوع (الإمام الحسين (عليه السلام ضمير الأمة)، يرى أن إيمانية الفرد تشكل نواة القاعدة الجماهيرية، لتتماهى مع (ضمير الأمة) بقدوة تكون امتدادا طليعياً، وشهادة الإمام الحسين (عليه السلام) أصبحت ينبوعاً يروي وعي هذه الأمة ضد الظلمة. ويرى الكاتب أحمد صادق أن الأسس الواقعية للنهضة الحسينية التي قادها أبو الأحرار في كربلاء، وقفت حاجزاً أمام حرب شعواء، وهذا المفهوم من المفاهيم المستحدثة التي تنظر الى سلمية هذه النهضة التي أوقفت نزيف الحرب وانعكاساتها، ولأن الصراع أبدي بين الإيمان والكفر، بين الحق والباطل، بين المبدأ و اللا مبدأ، علينا أن نلتزم دائماً جانب الحق والخير والفضيلة في هذا الصراع. وفي موضوع (الإمام الكاظم عليه السلام...وامتداد النموذج): في كل وقت نجد هناك من شيعة علي (عليه السلام ) من اتخذ الإمام الكاظم (عليه السلام )مثالاً حياً يقتفي أثره، ومن اتخذ من هارون وسيلة لتحقيق حلمه الزائف.. إذن فلنحرص على أن نجد سبيل الصواب لئلا نقع في زلة لا ينفع معها ندم.. وأصعب ما يكابده التدوين الصحفي أنه يسعى لاحتواء التفاصيل الحياتية مع إمكانية الاحتفاظ بالقدرات الإبداعية ،والسعي لاستثمار المعاني في سلوكية تعامل هذا الإرث الخالد تعاملاً وجدانياً يقوم بواجب الوفاء الصادق لمنهج الرمز المحمدي الخالد، وبتأريخه وقيمه، فيكون الالتزام عبارة عن فهم واعي لمحتوى الرمز االمقدس، بأن نجعل من الذات وعياً للدين، وتجسيده فكرياً وتعايشياً مع الآخرين، والاهتمام بجمع الكلمة، ورد الخلافات، والسعي لرفع الدعوة بالحكمة والموعظة، وهذه المساعي تعني تأكيد الحضور الفكري اليقيني الساعي لتأصيل الهوية الانسانية بالبحث أولاً عن جوهر هذه الشخصية التي هي محور الرسالات. وفي موضوع بعنوان (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) يرى أن جذوة الرسالة السماوية السمحاء قد ترجمت من خلال أخلاق الرسول الأكرم (صلى الله عليه واله ) في التعامل مع الإنسانية جمعاء بكافة مستوياتها القيمية، وبمختلف توجهاتها الأخلاقية .فقد استطاع الرسول الأكرم (صلى الله عليه واله) استيعاب الكمّ الهائل من إنثيالات كل مرحلة زمنية مر بها خلال دعوته الكريمة، خالقاً بذلك منهجاً قويماً. ونلاحظ أن عنونة (مع الناس) تكشف عن الطموح التواصلي الذي يتنامى عبر التماهي مع التأريخ، واستيعاب الجهد التضحوي القيمي يمكن الفعل الابداعي في عملية تقديم المحتوى .وفي موضوع (الحسين (عليه السلام) هوية أمة) نجد أن هوية التشيع مرهونة بقيم النهضة الحسينية، والإمام الحسين (عليه السلام ) لم يضطر إلى المواجهة العسكرية إلا بسبب المساس بالهوية الرسالية. وانبرى الامام الحسين (عليه السلام) سليل النبوة وإمام الأمة ووارث الأنبياء في موضوع (مولد الحرية) ليمثل قمة الوفاء لمفاهيم الرسالة الإلهية والمنهجية المحمدية، محاولاً بث الروح بهذه الأمة من جديد، ودفعها للاستمرار في منهج رفض الظلم والطغيان، والحفاظ على الكرامة، فلم يجد بدّاً من تقديم منحره الشريف شهادة على مدى انحراف هذه الأمة، باعثاً برسالة على مدى الدهور توقظ في النفس بوتقة الحرية والعزة، ولتصبح ينبوعاً يرتشف منه الثائرون كلّ معاني الكرامة. وفي موضوع (الحسين(ع) نبراس الأمة) نجده يركز على المسعى الرسالي الذي تكفل به الرسول (صلى الله عليه واله) وهو رفض العبودية وانحرافات السلطوية، والأوهام، ومحاربة الطغاة الذين يسعَون لاستغلال الناس والتحكم بمصائرهم، والتوجه إلى عبادة الله التي تقود الى الكمالات، وهذا دليل على اهتمامه الشامل بواقع الأمة الحياتي من خلال تحريكه القضايا الحسية المعاشة بمكونات رؤيوية مضيئة، تسعى لتحرير الإنسان من عبوديته لغير الله تعالى، وهذا ما استلهمه قائد النهضة الحسينية أبو عبد الله (عليه السلام) عن طريق تأكيده على البعد الإنساني، يضعنا أمام مكون انفعالي لعاطفة شعورية وأحاسيس توفيقية، احتوت النهضة الحسينية على هذا الكمّ العالي من البعد الوجداني الذي تميّز بقدرته على الحركة والفاعلية، وهي كفيلة بأن تهيئ قاعدة جماهيرية تسعى لإعداد المجتمع فكرياً ومعنوياً، حتى يتحقق التفاعل المنشود دون الاخلال بالمعاني والقيم السامية التي قامت من أجلها الثورة. ونلاحظ أن الثورة الحسينية قد تعرضت اليوم الى الكثير من الغبن على يد المناهج التقليدية التي ترتكز في قراءة التاريخ على المنهج الوضعي، وخاصة في المناهج الجامعية الإسلامية، حيث اتسمت بانعكاسات مذهبية واضحة معتمدة النظرية الاسقاطية , إذ وضعت موازين الواقع الحياتي الآني من مناظر الآخر على واقع تاريخي له مميزاته الخاصة كدلالات سببية، أو نتائج المنطق العام، محاولة تشبيه النهضة الحسينية حسب هذه التأويلات، وكأنها انقلاب عسكري خـُطط بمصالح شخصية، وفشل بسبب عدم النضوج القيادي. ونجد أن الكاتب(أحمد صادق) اشتغل ليضفي الحيوية على الموضوع التاريخي من خلال ربطه بالمحتوى المكاني المقدس، لما يحتوي المكان من معنى مضموني، وبما تمتلك كربلاء من الغنى الروحي؛ لكونها تعبّر عن علاقة الحاضر بالتأريخ، فهي ترسّخ معنى القداسة ومتعلقات القداسة، والتي تشكل محاور جذرية إنسانية لحاضر لا بدَّ أن يوازي معناها التاريخي ..في موضوع (الواجهة) يرى أن كربلاء مدينة مقدسة ذات رصيد سياحي عالي في استقبال الزائرين طوال العام، ومن مختلف بلدان العالم، وتعتبر اليوم أهمّ واجهة للبلد، وهذه الواجهة تحتاج الى ما يبرز جماليتها وعمرانها بالشكل الذي يترك انطباعاً جميلاً عند الزائرين العرب والأجانب، وقد نالت بحمد الله نصيبها الكامل (وزيادة)من هذا الاهتمام الرائع وعلى مختلف الصعد (كهرباء، شوارع، خدمات، صحة) والأمور سائرة إلى خير إن شاء الله بفضل الشفافية والمصداقية بالتعامل في مشاريعنا المبدعة. .فنجد هناك شيئاً من الإيحاء الذي ينبه الى قصور خدمي يحتاج الى روح نهضوية تعالج الخلل، ويؤكد على أن مدينة كربلاء القيمة مصدر مهم جداً وفريد للاستثمار, فمقومات الاستثمار في أعلى مستوياتها، ولكن الاستثمار كان وما زال لم يأخذ طبيعة تكاملية؛ لأنه افتقر للتركيز على بعض الأساسيات الاستثمارية من شركات وخدمات ومرافق عامة، ليركز على بعض الثانويات التي أصبحت اليوم عماد هذا الاستثمار.