جهاد النفس .. قراءات -٧-  

     إنَّ الحديث المبارك فيه بيان لمقام المؤمن ومنزلته من جهة حيث اتصافه بهذه الصفات الدالة على كماله، وتحمُّله الرسالة وأداءه التكليف في المجتمع من جهة أخرى، وهذا يؤكده القرآن الكريم في آيات متعددة، ومنها ما يتعلق بدفاع الله تعالى عنه، إذ قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا) [الحج: ٣٨]، ومنها استغفار الملائكة المقربين له، إذ قال تعالى: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا) [غافر: ٧]، وفي ذلك شرف عظيم للمؤمن أنْ يكون بعناية الله تعالى وملائكته المقربين.
      والأحاديث في بيان منزلته عند الله تعالى كثيرة، وما يتعلق بصفاته كذلك كما تقدم بعضها، وهذا الحديث يؤكد صفات عشر ينبغي أنْ يكون المؤمن لتحصين إيمانه، وتربية نفسه وقهر لذاتها المحرمة، فضلًا عن أهم أمر متعلق به وهو رسالته الإيمانية التربوية في المجتمع.
ويمكن بيان ما يتعلق بصفات المؤمن إجمالًا؛ ليكون على بينة منها؛ وأداؤها بوعي يظهر مقام الشريعة المقدسة في بناء شخصية المؤمن والمجتمع :
١-  ينصت ليسلم. 
وهي صفة مهمة ينبغي للمؤمن أنْ يكون عليها؛ حيث الإنصات إلى الآخرين على قدرهم؛ فلعله يسمع كلمة حكمة نافعة له، أو نصيحة تدُّله على نجاة، فالإنصات إلى الآخر يكون من أجل الوصول إلى غاية وهو (السلامة)، و(السلامة المعنوية) هي أهم من (السلامة المادية)، والحذر من الكلام في كل شيء، أو الخوض مع الخائضين محذِّرًا نفسه بما قال تعالى: (وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ) [المدثر: ٤٥,,].
 فعلينا تحذير النفس والآخرين من الحديث وإبداء الرأي والتحليل والنقاش في كل شي، بل في الأمر الذي مختص فيه تفصيلًا، أو للتعلُّم إجمالًا، وفي ذلك كمال الشخصية واحترام مقامها.
  ولعل من أهم موارده الإنصات -اليوم- إلى الأسرة والأبناء ومعرفة ما يفكرون به؛ لجعل الحلول الناجعة للتفكير السلبي الذي قد يكونون عليه، وفي ذلك سلامة كبيرة.  

 ٢-  وينطق ليغنم. 
    وهي صفة مهمة ينبغي للمؤمن أنْ يكون عليها؛ حيث الكلام في مورده الذي يوجب ذلك، حيث الوصول به إلى الغاية منه وهو (الغنيمة المعنوية) حيث كلمة الحق .. أو النصيحة والموعظة .. أو الدعوة إلى البر والإحسان وغير ذلك مما يرى الفوز والنجاة فيه، وهذا يدعو إلى التفكر والتأمل قبل الوقوع في فريسة (اللسان)، حيث النصيحة الإلهية: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) [الإسراء: ٣٦].
 وهي صفة مهمة ورائعة في بناء الشخصية وكمالها في الأدب ومكارم الأخلاق، ولكن ذلك يتوقف على المعرفة بالكلام وأصوله ومدى تأثيره، وبالمخاطب ومستواه ليكون التأثير واضحًا.
  ولعل من أهم موارده الحديث -اليوم- مع الأسرة والأبناء وبيان ما ينفعهم، وتحذيرهم عمًّا يضرُّهم، فالواقع يثبت أنهم بحاجة كبيرة إلى ذلك؛ بسبب المؤثرات الإعلامية الفوضوية الكبيرة الموجَّهة في المجتمع؛ لذا من المهم جدًّا اتخاذ منهج معيَّن لهم؛ لتحصينهم من جهة؛ وأداء الرسالة من جهة أخرى، وهذا يتوقف بصورة كبيرة على مدى ثقافة المتصدي لذلك أولًا، ومدى بناء العلاقة الإيجابية المتقدمة ثانيًا، ومدى قوة الشخصية في التأثير ترغيبًا لا ترهيبًا ثالثًا.

( هذا ما أستطيع بيانه مع كثرة الأشغال .. وهموم البال .. ) 
٣- لا يحدِّث أمانته الأصدقاء. 
٤- ولا يكتم شهادته من البُعَداء. 
٥- ولا يعمل شيئًا من الخير رياءً. 
٦- ولا يتركه حياءً. 
٧- إنْ زُكّيَ خاف ما يقولون. 
٨- ويستغفر الله لما لا يعلمون. 
٩- لا يغرُّه قول مَنْ جهله. 
١٠- ويخاف إحصاء ما عمله.

 أخيرًا .. 
      إنَّ هذه الأحاديث هي -حقيقة- من أعظم أبواب الحكمة، وكنوز الدنيا للسلامة فيها قي الآخرة، ولكن للأسف مجالسنا ومنابرنا ومحافلنا وقراطيسنا غافلة عنها، بل لعله لم تعرفها، ولا يخفى عظمتها في بناء الفرد والأسرة والمجتمع، ودورها الكبير في جهاد النفس .. أعاننا الله على ذلك .. والسلام

d19d5355-2c53-4255-8bab-0b7cdc916a4b.jpg