تعد اللغة هي المشترك الذي يتسم به العصابي" مريض النفس" عن الذهاني " مريض العقل" وعن السوي ، فاللغة تحمل التخييل والصور التي ينقلها الفرد في السواء واللاسواء ، حتى في تعامله مع الآخرين وسلوكه اليومي . يرى " المحلل النفسي الفرنسي جاك لاكان" أن الخبرة التحليلية النفسية تجد في اللاشعور – اللاوعي البناء اللغوي بقوته ، ويمكن للعرض أن يختفي تمامًا " يحل" من خلال الكلام ، فالعرض نفسه يتكون من خلال اللغة ، ونعلم أن الكلام هو أداة المحلل النفسي ومن يشتغل في العلاجات النفسية ، وأنه الوسيط والوسيلة الحقة في العلاج النفسي التحليلي وأن اللغة تطوع الكلام لصالحها .
يمكننا القول أن اللغة قادرة على القاء الضوء على النفس البشرية وما يعتمل في داخلها ، وهذا يمنحنا الفرصة لمعرفة أكتشاف المنطق في صلب أرضه وعمقه. فالسياسي الذي يتكلم في بداية حديثه وهو يضبط مفرداته بدقه ، تبرز بعد ذلك حقيقة ثرثرته من أعماق نفسه ، وهذا يذكرنا ما يجري في الجلسة العلاجية التحليلية النفسية ، حيث يضيع الكلام الفارغ مع الكلام الممتلئ ، وقول لاكان الكلام الفارغ فهو تشتبك فيه الذات في الـ (هنا) و( الآن) ، والذي يتحول في سراديب الكلام وفجواته ، دون أن يحقق ذاته في الكلام ، ضمن آلية اللغة التي يوفرها له السياق الاجتماعي، أو ما يريد قوله ، ويضيف " لاكان" بعبارة أخرى فالفرد في الكلام الفارغ يتحدث بوصفه آخر من حيث إن أناه مغتربة في الأصل في الآخر .
أي فرد في الحياة اليومية المعاشة يتعرض لكثير من المواقف التي يحاول فيها اللف والدوران في حديثه ، في كلامه ، حتى تبدو لغته غير متوازنه وبالأخص حينما يصمت المستمع لما ينطق به هذا المقابل ، وكأن العملية جلسة علاج تحليلية ، وقول " لاكان" إن صمت المحلل يدفع المريض إلى ملء الفراغ بالحقيقة بأن ينتقل من الكلام الفارغ إلى الكلام الممتلئ الذي تتحقق فيه الذات في الكلام ، فالأنا المغتربة كثيرًا ما تجد ذاتها في هذا المنولوج الفارغ غير المجدي.
الشخصية البشرية تعمل دائمًا في كل سلوكها الحركي ، أو اللفظي ، أو حتى التأملي في تخييل مودع في اللاشعور – اللاوعي ، فهو يحوي الإحباط السابق حتى المتخيل منه في مرحلة الطفولة ، وكذلك العدوانية الطفلية المتخيلة من مولود جديد أزاحه من عرش السيادة ، هذا هو النكوص – الارتداد لمرحلة سابقة عشعشت كل مجرياتها في عقل الإنسان منذ طفولته الأولى .
نقول ونحن نستمد ما نقوله من علماء في التحليل النفسي واساتذة لنا تعلمنا منهم هذه الفنيات بأن اللغة تحدد مجالات الحياة برمتها وأبرزها التحليل النفسي ، فتأثير " كلود ليفي شتراوس " كبير جدًا في هذا المنحى النفسي في اللغة حينما يتناول الرمز باللغة ، وما تعلمناه ان جميع حياتنا تحمل الرمزية ، وبالأخص في الحديث والتكلم ومنها الهفوات وزلات اللسان خير دليل على ذلك الإدغام فيما لا يريد المرء قوله صراحة ، فضلا عن النكتة بكل أشكالها السياسية اللاذعة ، والنكتة الجنسية اللاأخلاقية ، أعني بها الجنسية ، فهي تعبر عن قائلها ، وقول أحد رؤساء دولة عظمى معاصر يذكر اسم شخصية في الدولة ويقرنه بلفتة غير موفقه تعبر عن عمق تأثير الجنسانية في أعماق نفسه حيث نطق أسم هذا الشخص بـ " زب "ويقول أسمه يدل على " قضيب " الرجل ، فكيف تداعى في تلك اللحظة هذا المصطلح في كلامه ؟ ويقول " جاك لاكان" هذا مثالا جيدًا للتفرقة بين القصدية الشعورية – الواعية للفرد وبين مجال اللغة الذي يجد الفرد نفسه خاضعًا له . وهذا في الحقيقة تقدير كبير لما قدمه "سيجموند فرويد" مؤسس التحليل النفسي لأهمية الطبيعة اللغوية للاشعور – اللاوعي .
تذكر لنا الدكتورة " نيفين زيور " في كتابه القيم جاك لاكان وإعادة ابتداع التحليل النفسي قولها أن كلام الذات يتضمن بين حشاياه الإجابة التي تبحث عنها الذات. وتضيف أيضًا حينما يقدم المحلل للمريض " طالب التحليل" في هذه الحالة يكون قد تحدث بما لا يعرفه عن نفسه ، فهو يتحدث عن الرموز التي شيدت العرض المرضي ، وهذه اللغة التي تتسم بالبدائية هي لغة الرغبة . لذا فإننا حينما نأخذ متغير اللغة لدى السوي والعصابي والذهاني إنما لنرى مدى عمق تأثيرها في كل منهم ، فالكلمات تتضمن عادة ما بداخل الإنسان وتصويرها في حركة جسده فضلا عن ما ينطق به من كلام ولغة واضحة ، أو مدغمة مليئة بالاستعارة والمجاز والكناية ، وهذه كلها تحمل جروح رمزية لم يستطع التعبير عنها وربما تضفي عليها حركات جسدية يمكن لأي إنسان أن يلاحظها في حياته اليومية.
