في كثيرٍ من التحامل تهاجم بعض الكتابات المجتمعات العشائرية إثر سلبية بعض الممارسات غير الصحيحة، حتى يصل الأمر إلى حلّ النزاعات بالأعراف القبلية بدلًا من النظام القانوني، وبالطرف الآخر نجد أقلامًا جادة ترى أن الوجود العشائري أكثر حضورًا في حياتنا، يتكون منه وجودنا الاجتماعي والثقافي. والعشيرة هي الجماعة العظيمة من الناس يشتركون في مواجهة التحديات المختلفة لدوام البقاء، وعرفها سماحة السيد أحمد الصافي في خطاب الجمعة 12 تموز 2019م: الهوية العشائرية محل اعتزاز وافتخار، والتنوع الموجود عندنا في العراق نعتز به وبكل ما يمثل هذا البلد من وجودات متنوعة ومختلفة؛ يُنظر إليها ركيزة أساسية في تركيب هذا الشعب.
والعشائر العراقية لها تاريخ حافل ومهم، ولها وقفات مشرفة كثيرة، ومنها موقف العشائر في ثورة العشرين، فهي حافظت على هوية البلاد. هبّت العشائر العراقية للاستجابة لفتوى الدفاع المقدسة ضد زمر داعش، إضافة إلى المآثر المحمودة والأخلاق التي تتمتع بها هذه العشائر من الجود والكرم والشجاعة والنبل والغيرة وغيرها من المآثر المحمودة. كونت مجموعة من حلقات التربية عبر الأجيال عندما كانت الدواوين والمضايف مدرسة للتوجيه وللموعظة وصقل شخصيات الشباب.
رأي المرجعية مبارك ومقدم، لكن السؤال الذي نحتاجه اليوم: هل استثمرت العشيرة عبر آلاف السنين، وضمن ظروف التغييرات المختلفة، في قدرة المحافظة على مصداقية وحدة الأصل؟ وحدة التوجيه والتطلع؟
الجواب: كلٌّ ينظر إليه من منظاره الخاص، وأما نحن فنركز على قضية مهمة، أن الوجود العشائري كان موجودًا قبل بعث الرسالة المحمدية، وكانت العشائر تعيش على السطو والغزو والإغارات والسلب والنهب، فجاء الإسلام وجلب لهذه العشائر الوحدة والقوة والتفوق والسلام، وحوّلها إلى مجتمع متنامٍ يزرع وينتج ليصل إلى استقراره ويتمتع بالثقافة الاجتماعية.
فالإسلام هو عزّ العشيرة وفخرها، أعزّ الله العشائر بالإسلام، وعلى العشائر التمسك بالدين وقوانينه الإلهية. لكن للأسف برزت اليوم أشياء تسيء إلى قيم العشيرة، تصرفات تتطفل على التكوين الذي نعتز به، فأخذت مساحة غير طيبة. شخص الخطاب بعض التصرفات التي من غير الصحيح أن تبقى، مثل حالة الاحتكام التي لا تُحل إلا بمبالغ مجحفة، وهناك من يتصيد افتعال هذه المشاكل لغرض الاستفادة المادية. أصبح الموضوع ماديًا بحتًا، وتحولت تلك القيم والمآثر الحميدة إلى جانب مادي، سلوك لا يعرف إلا المادة حتى لو لم يتوافق مع الموقف الشرعي.
المبالغ أغلبها أكل مال بالباطل، وتمادت بعض النظم العشائرية لتزوير الحقائق ونصرة الولد حتى لو كان ظالمًا. بعض أهل العقل والوجدان والحكمة والدين يحاسبون فرد العشيرة إذا أخطأ بحق الآخرين، وتذهب إلى معالجة المشاكل بالتعقب.
لابد أن يبقى التماسك في العرف المقبول، مع وجود ضوابط مقبولة لا تتصادم مع العرف، ولا تتصادم مع الشرع، ولا تتصادم مع القانون، وأن لا تبتعد عن ضوابط الدين الإسلامي الحنيف لتفلح.
