الإهداء...
إلى الذين
لم يكونوا خبرًا عابرًا،
بل كانوا ميزانَ المعنى
حين اختلَّ الكلام
مضوا فاستقامَ فينا
الطريق،
وتعلّمَ القلبُ أن يكونَ أوضحَ
من الرّصاصة،
وأبقى من الدخان
إلى الشهداء سلامٌ عليهم
يوم اختاروا أن يكون الوطنُ أعلى،
ويوم أصبحوا هم علوَّه الدائم.
لكم مني هذا الوفاء الأبدي، ولذكراكم ستبقى الأرضُ تبكي، وتحملُ دموعَنا كوشاحٍ من نورٍ إلى السّماء
شخوص المسرحيَّة
جلجامش
أنكيدو
الطبيب
الخادم
صوت عبر المايك
المشهد الأوّل: (ضوءٌ خافت، أنكيدو مسجّى على عربة المرضى، رجلٌ يمسح جبينه بقطعة قماشٍ مبلّلة، خادمٌ في الخلف مطأطئ الرأس، خلفه غرفة مظلمة، بابٌ مفتوح، يدخل جلجامش متعبًا، وجهه مغبر، ثيابه ممزّقة، يتقدّم، يجثو على ركبتيه عند قدمي أنكيدو، بصوت حزين):
أنكيدو…
يا أخي الذي اقتسمتُ معهُ خبزَ البراري وعرقَ المعارك،
يا نصفَ قلبي حين كانَ قلبي حجرًا
عدتُ إليكَ ويداي فارغتان، إلا من غبارِ الطرقات.
بحثتُ عن نبتةِ الخلود في لججِ البحار، في صدورِ الجبال،
في ظلمةِ الكهوف، حيثُ تنامُ الأعمارُ القديمة…
فلم أجدْ غيرَ صدى اسمي
يتكسّرُ فوق الماء
عدتُ من حافةِ اللّيلِ الذي لا اسمَ له،
حملتُ إليكَ صدري، مملوءًا بالهزيمة.
كنتُ أظنُّ أنّ الموتَ وحشٌ يُهزمُ بسيفٍ أو بابٌ يُفتحُ
باسمِ الآلهة، لكنّي رأيتُه صامتًا…
يجلسُ في قلبِ الأشياء،
في انحناءةِ القمح،
في شيخوخةِ العمر،
في تعبِ العيون.
(يهزّ يد أنكيدو برفق)
أنكيدو…
لا تتركني وحدي في هذا العرش البارد،
اصبرْ عليّ قليلًا،
علّني أسبقُ الموتَ بخطوة،
وأجيءُ إليكَ بنبتةٍ تهزمُ الفناء.
تأخّرتُ — نعم، تأخّرتُ —
وكان الزَمنُ سيفًا يهبطُ على صدركَ كلَّ يوم.
لا تبردْ هكذا…
إن بردتَ سأفهمُ أخيرًا
أنّ الخلودَ كذبةُ الأقوياء
حينَ يخافون.
الطبيب (يتقدّم ببطء):
أيُّها الملكُ الذي دوّخَ المدن،
ذهبتَ قرونًا وعدتَ بلا شيء
عيناهُ معلّقتان بين سماءٍ لا تستجيب،
وأرضٍ تضيقُ بأنفاسه.
افعلْ شيئًا… فالوقتُ رماد،
والرّوحُ تتسرّبُ من بين أصابعه
كالماء أو كأنَّها خيط رفيع، تهتزّ الآن.
يا جلجامش
ما جدوى نبتةٍ إن كان الجسد قد
قرأ وصيّته الأخيرة؟
افعلْ شيئًا...
لكن اعلم أنّ بعض الأبواب
لا تفتح بالقوّة.
جلجامش (بصوتٍ منكسر):
ماذا أفعل؟ أخبرني...
أأقاتلُ الريح؟
أأكسرُ بابَ القدر؟
أأرفعُ سيفي في وجهِ الموت؟
أأعيدُ الزمنَ إلى الطين
وأعجنُهُ من جديد؟
أأصرخُ في وجهِ السماء
حتى تنشقّ؟
كنتُ أفرُّ من موتهِ،
كما يفرُّ المرءُ من ظلِّ فنائه،
وكنتُ أُفتِّش في الجهاتِ عن عشبةٍ
تُراوغُ الفناءَ وتمنحه خلودًا.
لكنّي الآن أبصرُ ما غاب عنّي…
لم أكن أطلبُ له حياةً لا تنقضي،
بل كنتُ أستنبتُ وهْمًا
يُؤجِّلُ اعترافي، أنّي أخشى
أن أقفَ وحدي وجهًا لوجه
أمامَ حفرتي الأخيرة.
الطبيب:
أراكَ يائسًا،
يا جلجامش،
كأنّ البطولةَ سقطتْ عن كتفيك،
كما تسقطُ الرايةُ في الهزيمة.
تحرّك، فالجمودُ موتٌ آخر،
وإن بقيتَ هكذا ستفقدُ صديقكَ
قبل أن تنطقَ باسمه.
جلجامش: (ينهض فجأة، وبغضبٍ):
اصمتْ!
لعنتكَ الآلهةُ إن بشّرتَ بالفناء!
لن يموتَ أنكيدو،
أتسمع؟
لن يموت!
(يلتفت إلى أنكيدو، بصوتٍ واهٍ):
لن أدعَ الموتَ يخطفُ منكَ ضحكتكَ الأولى،
ولا أن يُطفئ النارَ التي أشعلتَها في صدري.
إن عجزتُ عن نبتةِ الخلود،
فسأنتزعُ الخلودَ من اسمي،
من ملحمةِ دمنا،
من صرختنا في وجهِ الآلهة.
(يحتضنه)
أنكيدو…
لا تُسلِّم جفنيكَ لطولِ السُّبات،
فالمدينةُ من دونكَ
أسوارٌ عاريةٌ بلا حرّاس،
وأنا إذا غبتَ عنّي،
عرشٌ قائمٌ على فراغ،
وحُلّةُ ملكٍ ترفرفُ
فوق صدرٍ بلا نبض.
أنكيدو (بهمس):
جلجامش…
لا تركضْ خلفَ السراب.
أنا لم أكنْ جسدًا
كي تُنقذني من التراب،
كنتُ ظلَّكَ حين كانت شمسُكَ قاسية.
إن متُّ،
فليس لأنّ الموتَ غلبني،
بل لأنّ الحياةَ
أخذتْ نصيبها.
جلجامش (بحزنٍ):
لا تُحدّثني بلسانِ الحكماء، يا صديقي،
حدِّثني كما كنّا في البراري،
كتفًا إلى كتف، نقتسمُ الضحكَ
في عيونِ الوحوش.
لا تتركني في هذه المدينة،
حيثُ كلُّ حجرٍ في جدرانها
يهمسُ في أذني:
إنّكَ فانٍ.
الطبيب (بحسمٍ):
تأمّله لا بعينِ ملكٍ
يفقدُ واحدًا من جنوده،
بل بقلبِ إنسانٍ
يشيّعُ نصفَ روحه.
فالخلودُ ليس عشبةً
تُستخرجُ من عتمةِ الأعماق،
ولا سرًّا يُنتشلُ من لججِ البحار.
الخلودُ
أن تتّسعَ جراحُك للحزن،
وأن تبقى إنسانًا،
لا صخرًا يتقنُ الصمت.
جلجامش (بصوتٍ منكسرٍ):
كنتُ أظنُّ أنَّني ابنُ الآلهة…
الآن أعترفُ:
إنّني ابنُ الخوف.
الطبيب (بشدّة):
ابصره ، ها هو واقفٌ
على الحدِّ الفاصلِ بين رجاءِ الضوءِ
واستسلامِ الجسدِ لتعبِه الأخير.
(يضعُ كفَّه على صدرِ أنكيدو)
ها هو نبضه
يخفتُ كغروبٍ بطيء.
(بهمسٍ):
لقد فعلنا ما ينبغي،
دعوهُ الآن يخلدُ بسلام.
جلجامش (بغضبٍ):
اصمت لن أدعه يرحل،
لن أدعه!
الطبيب (بصوت عالٍ):
لن أصمت…
لقد رحلتَ عن بلادك السومرية منذ قرونٍ،
وما زلنا ننتظرك…
وأنكيدو…
في كلّ ليلة تصعد روحه إلى السماء،
حاملةً آلامها الثقيلة،
كما تحمل الأمواج أسرار البحر العميق…
نستعد لدفنه…
وعند الفجر يعود إلى الأرض،
ينفضُ غبار اللّيل عن جسده،
ويمشي بين الصمت والغياب،
وأنتَ لا تدري، يا جلجامش…
لا تدري
ما تجرّه روحه من وجع،
ولا كم هو ثقيل هذا الانتظار.
جلجامش (باستفهام):
أعجز عن شفائه الكهنة؟
الطبيب (بغضبٍ):
أيّ كهنةٍ، يا جلجامش؟
نحنُ في عام 2014م،
كلّ الأطباء فشلوا،
كلّ الدّمعات لم تشفِ شيئًا.
جلجامش (نحو أنكيدو):
لن أستسلم من أجلك، أنكيدو…
قلبي يسكب الدموع
حتى يكاد أن يتفتت…
(يهمُّ بالمسير):
الطبيب (باستفهام):
إلى أين يا جلجامش؟
(جلجامش):
إلى حيث لا يموت الذين نحبهم،
إلى نبتةٍ قيل إنّها تخدع الموت لحظةً،
ثم تتركه واقفًا على عتبته،
حائرًا في هزيمته.
الطبيب (بغضبٍ):
لن أدعك ترحل كلّما رحلتَ،
تركْتَنا نعدُّ أصابعنا
كما لو كنّا نحصي خساراتنا.
ننتظر،
والانتظار وطنٌ مؤقّتٌ للوجع.
(جلجامش): سأعود
(الطبيب): تقولها دائمًا
(جلجامش): وأصدّقها دائمًا
هذه المرّة…
سأعود من أجل أنكيدو.
(الطبيب):
سومر محاطة بالخطر،
الأبواب مكسورة،
والنهر يسير خائفًا في مجراه.
أخشى عليك… أن تموت
قبل أن تجد ما تبحث عنه.
(جلجامش):
وماذا حلّ بسومر؟
(الطبيب): اعتلاها قومٌ يرفعون الموت رايةً،
ويكتبون أسماءهم على الجثث.
يقال لهم: داعش،
لكنّ الأسماء لا تهمّ…
فالسكين هو ذاته
منذ أوّل أخٍ قتل أخاه.
جلجامش (بتعجب):
مَن الذي يجرؤ أن يقتلَ
بلادي؟
وأيّ سيفٍ يبلغ شمسها؟
ومَن يستطيع أن يسكب
على الأرض دماءً بلا نهاية؟
بلادي ليست جسدًا ليُطعن
ولا رايةً لتسقطَ إن هبّت عليها الرّيح،
فهي نبض في صدور أهلها.
فإذا حاولوا قتلها،
استيقظت فيهم ألف حياة.
إذًا، لم يتعب الموت بعد،
لكنّي تعبتُ من الهزيمة،
تعبتُ من أن يموت الصديق
مرّةً في الجسد، ومرّةً في الوطن.
لن أترك أنكيدو يموت مرّتين.
إن كانت سومر تنزف،
فسأبحث عن نبتةٍ
لا لتجعلني خالدًا، بل لتعلّم الأرض
كيف تقوم من رمادها.
(الطبيب):
هذا ما يحدث…
منذ أشهر…
والأرض تصرخ…
والسماء تصغي…
والأطفال يختبئون في صدورنا.
جلجامش (بتوسل):
بلادنا بانتظارنا…
دعنا نقتلهم كما قتلتُ
حارس الغابة…
وغلبتُ خمبابا
الذي عاش في غابة الأرز…
انهض… أيُّها الصديق…
انهض…
قبل أن ينام التاريخ على موتنا.
الطبيب (يمسك يد جلجامش):
لن أسمح لك بالرحيل…
نبتة الخلود ليست لك،
ولن تكون لك…
حتى لو عثرتَ عليها،
لما أتاح لك الغياب أن تبلغها،
ولم تترك لنا إلا صمتًا ثقيلًا،
كحجرٍ على صدورنا…
استسلم…
لسرّ أنكيدو الذي يتلوى
في صمت السماء،
ينبت في شقوق القلب المدمّى،
ويصرخ بلا صوتٍ
في كلّ كلمةٍ لم نجرؤ على نطقها…
دعه هناك…
في حضن الريح، حيث اللّيل
يزحف ببطء، والنجوم تنحني عليه
بعينين تبكيان السرّ،
دع الزمن يزرع وجعه
في أعماقنا،
والذكريات تنهشنا بصمتها…
والسماء تحتضنه بلا نهاية،
كأنّها تعرفُ أنّ الحنين
هو الموت الذي نعيش.
جلجامش (يمسك بقميص الرجل بصوت عالٍ):
اسكتْ…
فأنا لستُ في مزاجِ النجومِ حين تتسامح،
في صدري بركانٌ إذا نطقتَ انفجر.
وإن دفعتُكَ إلى الترابِ،
فلن أسقطَكَ وحدكَ، سيسقطُ مني
هذا التعبُ المتراكمُ في عروقي،
وهذا الخوفُ الذي يتخفّى
باسمِ الحكمة.
سأجدُها…
كما يجدُ العطشانُ حياته في قطرةِ ماء،
لن أستسلمَ، لأنَّ أنكيدو
ليس صديقًا…
بل مرآتي حين أضيعُ
عن نفسي.
الخادم (ينهض من كرسيه ويقف أمام جلجامش):
لا تتخاصما…
فالمدينةُ تتَّسعُ لصوتين، ولا تتَّسعُ لدمٍ جديد.
سيّدي،
أيُّها السومريُّ المثقل بظلّ الخلود،
أتأذنُ لظلِّي
أن يقفَ بين سيفكَ والريح؟
(جلجامش):
ماذا تريد؟
أتأتي لتقتلني توبيخًا؟
أم لتقولَ: إنَّ الخلودَ
وهمٌ
يُشبهُ امرأةً تسيرُ أمامي،
كلّما اقتربتُ منها
ابتعدتْ…
أنا لا أبحثُ عنها وحدها،
أنا أبحثُ عن أنكيدو
في صدري،
عن الغابةِ التي كانتْ تضحكُ باسمه،
عن يدٍ
كانت تُمسكُ بيدي،
فنصيرُ اثنين
في وجهِ موتٍ واحد.
(نحوَ الجمهورِ):
ما يزالُ جرحُ قلبي
يتَّسعُ كأفقٍ بلا ضفاف،
كلما ناديتُ: أنكيدو
أجابني الصدى باسمٍ مكسور.
ونيرانُ اليأسِ
تقتاتُ مني ببطءٍ،
كأنّني آخرُ حطبِ هذا العالم.
(الخادم):
لا…
دعْني أكنْ دليلَكَ إلى نبتةِ الخلود،
فما خُلِقَ الطريقُ
إلّا ليُفاجئَ العابرين.
(جلجامشُ ساخرًا):
أأنتَ؟
أيُّها الواقفُ في ظلِّي،
تدلُّني أنا؟
أنا الذي أرهقتُ الصحارى،
وأتعبتُ الجهاتِ الأربع،
أنا الذي سألتُ الرملَ،
والبحرَ، والنجومَ البعيدة،
فما لانَ السرُّ لي.
أتسخرُ من تعبي،
أم تُجرّبُ عليَّ وهمًا جديدًا؟
(الخادم):
لا أسخرُ يا سيّدي،
لكنَّ النبتةَ
لا تُرى بعينٍ متعالية،
ولا تُهدى لمن يطاردها بالسيف.
ضعْ ثقتكَ بي، فالخلودُ أحيانًا
يختبئُ في يدٍ لم تلتفتْ إليها.
جلجامشُ (بتردُّدٍ):
لا أدري…
لكن قلْ لي: أين أجدُها؟
أفي قاعِ بحرٍ
تخبِّئهُ الأساطيرُ عن العيون،
أم في صدعِ جبلٍ
تتوضأُ عندهُ الشمس؟
أحقًّا، إن ظفرتُ بها،
تُطفأُ معاناةُ أنكيدو؟
أيرجعُ كما كان بطلاً سومريًّا
تلمعُ في خطاهُ سنابلُ الأرض؟
إن نلتُها،
أقسمُ أن أُشرككَ في سرِّها،
أمنحكَ منها شيئًا،
عرفانًا لصدقكَ.
هيّا…فالوقتُ سيفٌ حادٌّ على صدري،
ولن أتركَ دقيقةً تفلتُ من يدي.
(الخادم):
سيّدي…
ليس الطريقُ إليها
مفروشًا بوعدٍ سهل،
ولا تُنالُ باندفاعِ الرغبة وحدها.
ستحتاجُ جهدًا
يُرهقُ العظم، وقتالًا
يمتحنُ يقينكَ حتى آخره،
ونفحةً سماويّةً،
إن شاءتْ أضاءتْ دربكَ،
وإن شاءتْ
تركتكَ في عتمةِ السؤال.
فأمّا أن تهتدي إليها،
أو تهتدي بك الطرق إلى غيابٍ آخر.
(جلجامش):
سأقاتلُ الأرضَ ومن عليها،
وأُشهرُ وجهي في وجهِ الريح،
لن تُثنيني سيوفُهم،
ولا تتراجعُ خطاي.
أنا الذي صرعتُ الثورَ الهابطَ
من علوِّ السماء،
أنا الذي دوَّتِ الأرضُ
تحت وقعِ غضبي،
فكيفَ أخشى طريقًا
ودمي يعرفُ معنى المواجهة؟
سآتي بها،
أحملُها بين يديَّ
كما يُحملُ الفجرُ من رحمِ الليل،
وأعودُ بها حيث يرقدُ أنكيدو
بين صمتٍ وحلمٍ.
(الخادم):
حسنًا يا سيّدي،
فلنشدَّ على قلوبِنا ونمضِ،
فالطريقُ لا ينتظرُ المتردّدين.
جلجامش (نحو أنكيدو):
يا صديقيَ العزيز،
يا توأمَ روحي في البراري،
لن أُخلفَ وعدي هذه المرّة،
لن أعودَ إليكَ
إلا والنبتةُ بين كفَّيَّ،
ولو كان الثمنُ
آخرَ ما تبقّى من أنفاسي.
ها أنا أستأنفُ الرحلةَ،
أغادرُ ظلَّك
كي أعودَ إليكَ ضوءًا،
سأقاتلُ من أجلكَ الجميع،
وأجعلُ المستحيلَ يُفسحُ
لي الطريق.
(الخادم):
انتظرني يا سيّدي، سأعودُ إليكَ حالًا.
(جلجامش):
سأكونُ هنا، أعدُّ نبضاتِ العزم،
بانتظاركَ.
(يدخل الخادم الغرفة، يَخرجُ وبيديه بندقيتان):
جلجامش (بتعجب):
ما هاتانِ؟
(الخادم):
بندقيتان…
نحملهما ككلماتٍ صامتة،
تحرسنا من المخاطر
قبل أن تلامسنا.
(جلجامش):
حسنًا… فلنمضِ إذن.
(الخادم وجلجامش يخرجان)
إظلام.
المشهد الثاني (يظهر جلجامش والخادم يسيران والأضواء تكون باهتة، ثم تقوى ثم تبهت؛ دلالة على مضي الوقت نحو النهار والمساء، ويظهر بعض أبناء الحشد الشعبي وبعض السواتر، وعلى الجهة الأخرى يظهر بعض الأشخاص بزي داعش ويسمع صوت رصاص قوي، يسحب الخادم جلجامش خلف أحد السواتر)
جلجامش (بدهشة):
ما الذي يجري هنا؟
(الخادم):
أبناءُ عليّ، السومريون،
يحملون أرضهم في صدورهم،
ويحرّرونها من أيادي الأعداء
كما يحرّرُ الفجرُ
الضوء من بين الظلام.
جلجامش (بصوت خافت، يسأل):
ومَن يكون عليٌّ؟
(الخادم):
أبوهم…
الرّجل الذي غرسَ
فيهم حبّ الأرض،
كما تُغرس النجوم
في قلب اللّيل الطويل.
(جلجامش):
لنمضِ…
فالوقتُ ليس ساعةً على جدار،
بل ظلٌّ يبتعدُ عن جسدِه،
وإن توقّفنا
صار لنا ظهرٌ من حجر.
(الخادم):
رويدكَ يا سيّدي…
هنا تنكشفُ الغاية،
لا كرايةٍ تُرى، بل كهاويةٍ
تسأل العابرين:
مَن أنتم؟
(جلجامش):
هنا؟
في هذا الهواء المشظّى بالرصاص،
في هذا الترابِ
المكتظّ بأسمائه الأخيرة؟
أهنا يُزرعُ الخلود؟
(الخادم):
هنا…
حيثُ يخلعُ الإنسانُ درعَهُ الأخير،
ويتركُ أوهامَهُ معلّقةً
على مسمارِ الغبار،
ولا يبقى منه إلا صوتُهُ
مرتجفًا في حنجرةِ الريح.
(جلجامش):
وماذا أفعل؟ أأبارزُ موتًا
يتكاثرُ كالأفق؟
أأشقُّ هذا الليلَ
لأعثرَ على نبتةٍ
تعدني بأن أبقى؟
(الخادم):
قاتِلْ… لا لتنتصرَ على أحد،
بل لتعرفَ وزنَ قلبك.
اعبرْ هذا الخراب
كما يعبر المعنى
قصيدةً مثقوبة من الوجع.
فالخلودُ ليس نبتةً تُقطف،
بل أثرُ خطوةٍ
لم تتراجع، حين كان العالمُ
كلُّهُ يتراجع.
(يرتفع صوت الرصاص مرة أخرى، ويسقط أحّد أبناء الحشد الشعبي ، ويجتمع عليه أصدقاؤه، ويعادُ صوت الرصاص مرتفعا وجلجامش ينتقلُ من ساترٍ لآخر، وفي آخر انتقالةٍ يسقطُ بجانبه أحد أبناء الحشد الشعبي مصابًا برأسه ويسقطُ أرضًا مخضبًا بدمائه، يهمُّ إليه جلجامش)
الشهيد (بصوت واهٍ):
مَن أنتَ…
أيّها الخارجُ من ألواح الطين؟
(جلجامش):
أنا جلجامش،
من أتعبتهُ الأسوارُ العالية،
وأرهقتهُ الأسئلة.
جئتُ أفتّشُ في أرضِكم
عن نبتةِ الخلود.
قال لي الخادم:
هنا تُولدُ، ومنذُ جئتُ
وأنا أقاتلُ الموتَ بالموت،
ولا أحصدُ سوى الغبار.
الشهيد (بصوتٍ واهٍ):
الحمدُ لله…
بقيت لحظاتٌ،
وسأبلغُها كما تبلغُ الشمسُ
آخر شُرفة في الغياب،
كما يهمسُ الليلُ بما لم يقله النهار،
كما تصير الرّوحُ خفيفةً على حافّةِ الزّمن،
تلامسُ ما كان موعودًا منذُ الأزل.
جلجامش (يحدّق في عينيه):
تبلغها؟ أيّ دربٍ هذا
الذي يقصُرُ حين يطولُ عليك؟
(الشهيد):
نبتةُ الخلود
ليست عشبةً تُقتلعُ من قاع البحر،
ولا سرًّا تخبّئهُ الآلهةُ في جبل
إنَّها لحظةُ صدقٍ
يصيرُ فيها الجسدُ جسرًا،
وتعبرُ الرّوحُ خفيفةً… إلى معناها.
(جلجامش):
أتقولُ إنّ ما طاردتُهُ دهورًا
كان يسكنُ قلبًا
ينبضُ الآن بين يديّ؟
(الشهيد):
نعم يا سيّدي،
ما طاردته لم يكن عشبة الخلود،
و لا وصفةً يبيعها الحكماء،
كان معنًى يسكن القلب،
فتختاره…
حين يُخيّركَ العالمُ بالنجاة،
أن تقولَ: نعم للحقّ،
ولو قال الجسدُ: لا.
ذاكَ هو الخلود.
جلجامش (ينخفض صوته):
كنتُ أظنُّ الخلودَ
انتصارًا على الموت،
فاكتشفتُ الآن
أنّه انتصارٌ على الخوف.
هنيئًا لكَ…
يا من وجدتَ النبتة
قبل أن تلمسها يدُك.
السّلام لروحكَ كلّ السلام
الشهيد (بابتسامةٍ):
هنيئًا لي…
(يضع رأسه على الأرض وتفيض روحه)
إظلام
المشهد الثالث: يظهر جلجامش سلاحه بيده، مع صوت رصاص، وجلجامش ينتقل من ساترٍ لآخر ومعه الخادم، ثمّ يرفع رأسه ويصاب به ويسقط أرضًا بجانب الخادم، فيضعه الخادم في حجره بصوتٍ حزين):
سيّدي… لا تمضِ بعيدًا.
جلجامش (بصوت واه):
عُدْ إلى أنكيدو،
وقل له: إنّني فتّشتُ في عشبِ الأرض
عن سرِّ الخلود،
وعثرتُ على نبتةٍ تشبه الوعد،
لكنّي حين عدتُ بها
لم أجد نفسي جديرًا بأن أبقى بين يديه.
قل له:
لم أخفْ من الموت،
كنتُ أخافُ أن أموتَ وحدي،
أن يسبقني اسمه إلى الغياب
وأتأخّرُ عن العناق.
يا صديقي الذي ترك قلبي
مفتوحًا كنافذةٍ على الرّيح،
سامحني…
إذا لم أعد،
فليكن غيابي طريقًا من ضوء
يمرُّ بين قلبينا،
وليكن اللّيلُ الذي افترقنا فيه
نجمةً تدلّ خُطانا
إلى ما لم نعِشْه معًا.
الخادم (بصوت ضعيف):
كما تريد يا سيّدي…
فالراحلُ لا يملكُ
إلا أثرَه.
جلجامش (بصوتٍ واهٍ):
قلْ له… هذه آثارُها،
آثارُ النبتةِ لا آثارُ خطايَ على الطين.
حين صدّقتُ أنّ الخلود
شجرةٌ تُقطف
قل له…
إنّني لم أمتْ دفعةً واحدة،
كنتُ أتدرّبُ على الغياب
منذ خطفوه من كتفي.
(وبهمس)
هذه آثارُها…وهذه يدايَ فارغتان…
ويموت
الخادم (يحتضن جسد جلجامش):
هنيئًا لك أيّها السومريّ،
يا مَن تعبتَ من مطاردةِ السراب،
ووجدتَ في التراب
ما لم تجده في السّماء.
(يضع جلجامش على الأرض، وينهض).
إظلام.
المشهد الرابع: (يسير الخادم والأضواء تكون باهتة، ثم تقوى ثم تبهت؛ دلالة على مضي الوقت نحو النهار والمساء حتى يصل، أنكيدو يجلس على كرسيه والطبيب بجانبه، يقف أمام أنكيدو):
عذرًا، يا صديقه الحميم…
إنَّ جلجامش لم يَعُد هذه المرّة.
الطبيبُ (بغضبٍ):
لم يَعُد؟
وأين يذهبُ من أنهكه السؤال،
ومن أضناهُ أن يرى ظلَّه أطول من عمره؟
أ إلى تخوم بحرٍ آخر
أم إلى نبتةٍ تُراودُ الوهمَ باسم الخلود؟
أ إلى غابةٍ أخرى ليصارع ظلَّه؟
أ إلى حربٍ أخرى
أم إلى نهرٍ يخبّئ اسمه في الطين؟
الخادمُ (بتعبٍ):
مضى… حيث لا يُقاس البقاءُ بالسنين،
حيث الخلود.
الطبيب (مستفهمًا):
الخلود؟
وهل وجدَ الطريقَ أخيرًا؟
ألم نُحذّره من وهم الأعشاب،
ومن خدعة الماء؟
ألم يكن يعرف أنّه سرابُ التعب؟
أنّ الآلهة تبتسم لمن يركض خلفها
قل: أتقصدُ الموت؟
قلها صريحةً، لا تُوارِها بالاستعارة.
(الخادم):
هذه المرّة لم يركض.
هذه المرّة خلع درعه،
ووضع تاجه على عتبة الريح،
وقال: يكفيني أن أكون إنسانًا.
مرَّ من هنا
وترك دمه شاهدًا،
فمضى خفيفًا… كأنّه أدرك أنّ الخلود
ليس عمرًا أطول، بل أثرٌ أبقى.
فجلجامش هذه المرّة لم يُطارد العشبَ
الذي سرقه الأفعى،
ولم يخاصم الآلهة،
ولم يُساوم القدر.
هذه المرّة نظر في وجه فنائه طويلًا…
حتى رآه وجهًا آخر للحقيقة.
الطبيب (بغضبٍ):
وأين هو الآن؟
أهُزمَ كما هُزمَ كلّ مَن مشى قبله؟
أين هو؟
دلّني على قبره!
(الخادم):
ليس له قبرٌ
لأنّه أدرك أنّ الخلود
ليس نجاةَ الجسد،
بل اكتمال المعنى، وكتب نهايته
بحبرٍ يكفي لأن يُعاد قراءته
كلّما احتاج العابرون
إلى شاهدٍ على المعنى.
الطبيب (بصوتٍ واهٍ):
إذًا... لم يعد.
(الخادم):
نعم لم يَعُد؛ لأنّ العائدَ
هو من ظلّت له رغبةٌ في الرجوع،
وهو بلغ حدًّا لا يلتفت فيه القلب
إلى الوراء.
أودع جسده أمانةَ التراب،
كما يُودِع المسافرُ ثقلَه عند العتبة،
ومضى باسمه
خفيفًا من طينته،
ثقيلاً بمعناه.
لم يسعَ إلى إقامةٍ أطول في الزمن،
بل إلى مقامٍ أصفى منه،
مقامٍ يقيم فيه الإنسان
حين تتصالح روحه مع مصيره،
وحين يدرك أنّ الخلود
ليس ظفرًا على الموت،
ولا حيلةً عليه، بل بصيرةٌ به.
هناك،
حيث لا يُقاس البقاءُ بالسنين،
بل بصفاء الأثر،
صار اسمه ظلًّا من نور،
وصار موته فهمًا كاملاً للحياة.
(يجلس عند أقدام أنكيدوا ويهزّ قدمه اليمنى):
لا تحزن من أجله…
لقد مضى إلى السماء مطمئنًّا،
بعد أن ظفر بنبتة الخلود،
دافع عنها حتى آخر نَفَس،
ورأى أثرها بعينيه…
ثم وضعها بين يديّ،
وقال: احملها إلى أنكيدو…
فهي له، كما كانت لي.
الطبيب (بتعجب):
كيف نالها؟
وإلى أين ذهب؟ وما حقيقتها؟
حدّثني…
الخادم (بصوت جهوري):
لم ينَلها بسيفٍ ولا بجيشٍ،
ولا ارتقى إليها بسُلَّمٍ من ذهب.
نالها…حين خفَّفَ قلبَه من الضجيج،
وترك على عتبةِ الريحِ
خوفَه القديم.
نالها حين صار خفيفًا
كفكرةٍ في رأس الغيم،
كأثرِ صلاةٍ على جبين الفجر.
لم يمشِ إليها،
بل مشى في ذاته
حتى اتّسعَ له الأفق.
هي لم تكن اسمًا ليُكتَب،
ولا حلماً ليُلتقَط
كانت مقامًا… وكان عليه
أن يرتقي بلا درجات،
أن يخلع عن قلبه الجهات،
ويصير سؤالاً صافيًا
لا يطلب جوابًا.
حين صار شفّافًا
عبرت روحه السماوات بلا اصطدام،
وحين تلاشى،
حتى لم يبقَ منه
إلا أثرُ دهشةٍ في يد الغيب.
هناك… حيث لا هو،
ولا هي، بل ارتقاءٌ
يصعد بنفسه إلى نفسه.
رحل
إلى حيث الخلود…
حيث ينساب الحنين ضوءًا خافتًا،
كظلٍّ يعانق النور ولا يفارقه،
كموجةٍ تعود إلى البحر
وفي قلبها سرُّ الرحيل.
هناك،
يستقرّ صمتٌ لم يُنطَق،
وتبقى لمسةُ زمنٍ، مضى بلا وداع،
غير أنّ همسًا خفيًّا
يظلّ يفتح فينا أبواب الذاكرة،
كلّما نادانا الغياب.
(يتقدّم نحو الجمهور، بصوتٍ عالٍ):
الشهادة…
الشهادة
التي وهب جلجامش روحه لأجلها،
هي نبتةُ الخلود الحقّة،
لا تُستقى من أعماقِ البحر،
ولا تُسرق من يد الزمن،
بل تُمنَح
لمن صعدوا بأرواحهم
فوق خوفهم.
فهي ليست عشبًا يُقطَف، ولا
سرًّا يختبئ في الأعماق،
بل روحًا تعلو حين يختار الفداء
أولئك الذين بذلوا أرواحهم لأرضهم
ومقدّساتهم.
تتلقّاهم الملائكة بنورٍ لا يخبو،
فتفيض أرواحهم بلون الشفق،
ويصير الغيابُ فيهم حضورًا،
والفقدُ وعدًا، والتضحيةُ
اسمًا لا يزول.
هناك، يلتقي الخلودُ بساداته،
كضوءٍ يتسرّب عبر الصمت،
وكصدًى لا يزال يتردّد
بين الأرض والسّماء،
يحكي حكاية قلبٍ
اختار أن يموت واقفًا ليحيا أبدًا.
الطبيب( باكيًا):
هنيئًا لهم…
هنيئًا لمن عرفوا الطريق
الخادم (نحو أنكيدو):
لا تحزن، يا صديقه الحميم…
فالحزنُ إن طال، أطفأ في القلب
مصباحه.
فما كان الوداعُ نهايةً،
بل عبورٌ من ضيق المعنى
إلى سعته
هلمَّ بنا إلى تلك الغرفة،
إلى حيث يهدأ الوجع
وتصفو الرّوح كجدولٍ بعد مطر
نصلّي…
لا طلبًا لمعجزة، ونرفع أكفَّنا
بما تبقّى فينا من رجاء،
علّنا نبلغ ما ظلّ القلبُ يسعى إليه
منذ تعلّم الخفقان،
ونتلمّس ذلكَ النور
الذي يسري في أرواحِنا
كشمسٍ لا تعرف المغيب.
(يدفع الكرسي المتحرك والطبيب خلفه نحو الغرفة ويدخلان). إظلام
المشهد الخامس (تظهر مجموعة من التوابيت مغطّاة بالعلم العراقي، يحملها بعض الأشخاص يرتدون زي الحشد الشعبي يدورون حول المسرح مع صوت قصيدة (يمه ذكريني) ويخرجون)
إظلام.
