في ظلِ الأزماتِ المتلاحقةِ التي تضربُ أوطاننا، ومعَ اشتدادِ النزاعِ المسلحِ الذي يحيطُ بنا منْ كلِ جانبِ وتحتِ سمائنا المكشوفة، يتقدمَ الشبابُ الأبطالُ الصفوفَ الأولى بثباتٍ وشجاعةٍ يواجهونَ التحدياتُ بإرادةٍ صلبة، رغمَ افتقارهمْ للسلاحِ الحديث، فلا يملكونَ سوى إيمانٍ راسخٍ وعقيدةٍ تملأُ قلوبهمْ يقينا.
يقفونَ مكشوفيْ الصدرِ والظهر، لا يحميهمْ إلا رجاؤهمْ وتوسلهم، بحفظِ اللهِ ورعايتهِ لهم، وعزيمتهمْ التي لا تلينُ في وجهِ الأخطار. تتابعُ الحروبِ العسكريةِ بأشكالها المتعددةِ ووسائلها الحديثة، منْ صواريخَ ومسيرات، بينَ أطرافٍ تتنازعها صفاتُ الظلمِ والدفاع، بينَ طغيانٍ يدعي القوة، ومنْ يقاتلُ صونا لوطنهِ وكرامتهِ وشعبه. تتداخلَ التبريراتُ وسطَ ضجيجِ المصالحِ وتزاحمِ الروايات، لكنَ النتيجةَ تظلُ واحدةً لا تتغير: أرواحٌ تزهقُ بلا رحمة، وأمهاتٍ يكتوينَ بنارِ الفقد، وأراملُ يثقلُ الحزنُ خطاهن، وأطفال تنتزعُ منهمْ براءةَ الطفولة، ومستقبل يستنزفُ في صمتٍ موجعٍ لا يجدُ منْ يصغي إليه.
لمْ يعدْ زمنُ المثلِ العراقيِ القديمِ (الطوبُ أحسنَ لوْ مكواري) وسيلةً لمواجهةِ العدوان، كما كانَ في الماضي، فقدْ تغيرتْ طبيعةَ الحروبِ وتبدلتْ أدواتها. اليومُ نحنُ في عصرِ السلاحِ المتطور؛ منْ الطائراتِ المسيرةِ إلى الصواريخِ الذكية، وحتى الجنودُ لمْ يعودوا في قلبِ المواجهةِ المباشرةِ كما كانوا. إنهُ عصرُ التكنولوجيا، حيثُ تلعبُ الإلكترونياتُ والحواسيبُ والذكاءُ الاصطناعيُ الدورُ الحاسمُ في ميادينِ القتال.
إنَ المفارقةَ المؤلمة، تكمنَ في أنَ منْ يفترضُ أنهمْ صناعُ القرارِ والسلطة، يعيشونَ بعيدا عنْ لهيبِ الواقع، فيما يتركُ الشبابُ الأبطال، ليواجهوا مصيرهمْ بصدورِ عارية، وكأنَ التضحيةَ أصبحتْ قدرا مفروضا على فئةٍ دونَ أخرى.
هي ساحة الميدان، تسقطَ الأحلامُ قبلَ الأجساد، ويتقلصَ الشبابُ إلى أرقامٍ في سجلاتٍ لا تعبرُ عنْ حجمِ الفقدِ أوْ عمقِ المأساةِ ليستْ كلُ الحروبِ قدرا محتوما، وليستْ كلُ المعاركِ رمزا للشرف، فبعضها صراعاتُ مصالحَ تدارُ على حسابِ الأبرياء، وتسوغَ بشعاراتٍ لا تصمدُ أمامَ ميزانِ العقلِ والعدل. حتى المبادئِ والعقائدِ لها حدود، ومثلما يقال: أحيانا تكون التقيةُ واجبة.
إنَ الشجاعةَ الحقيقيةَ لا تكمنُ في الاستمرارِ في النزف، بلْ في القدرةِ على التوقف، والمراجعة، واتخاذَ القرارِ الذي يحفظُ الأرواحَ ويصونُ الكرامة. أنَ الحكمةَ تقتضي، أنْ يعادَ النظرُ في المسارات، وأنْ يقدمَ صوتُ العقلِ على اندفاعِ اللحظة، فحمايةُ الإنسانِ هيَ الأساسُ الذي تبنى عليهِ كلِ القيم.
وليسَ منْ العيبِ أنْ نختارَ الحكمةُ والعقلُ حينِ يكونُ الخيارُ الآخرُ مزيدا منْ الخسارة، بلْ العيبَ أنْ نستمرَ في طريقٍ ثبتَ أنهُ لا يقودُ إلا إلى الألم، وتذهبَ بالآخرينَ إلى التهلكة.
تقعَ المسؤوليةُ اليومِ على عاتقِ أصحابِ القرار، ليبرهنوا أنَ القيادةَ ليستْ تمسكا بالمواقفِ مهما كانتْ كلفتها، بلْ قدرةً على التمييزِ بينَ ما يجبُ الاستمرارُ فيهِ وما يجبُ التراجعُ عنه، فالحفاظُ على أرواحِ الشبابِ ليسَ ضعفا، بلْ هوَ جوهرُ القوة، واتخاذَ القرارِ الصحيحِ ليسَ تراجعا، بلْ قمةَ الشجاعة.
فلنعودَ الاعتبار للعقل، ولنجعلْ منْ الحكمةِ دليلا، ومنْ الإنسانِ غاية، فالأوطانُ لا تبنى بالدماءِ وحدها، بلْ تصان بالحكمة، وتحفظَ بالقراراتِ التي تنحازُ للحياة.
أما شهداؤنا الأبطال، فلا نقولُ لهم، إلا ما قالهُ اللهُ سبحانهُ وتعالى بحقهم: (ولا تحسبنَ الذينَ قتلوا في سبيلِ اللهِ أمواتا، بلْ أحياء عندَ ربهمْ يرزقون، فرحينِ بما آتاهمْ اللهُ منْ فضلهِ ويستبشرونَ بالذينَ لمْ يلحقوا بهمْ منْ خلفهمْ إلا خوف عليهمْ ولا همْ يحزنون) سورةُ آلِ عمران: آيةُ -169-170.
