إنه من الصعب أن تقف لوحدك وترى العالم كله ضدك ، فهنا تقف وأمامك عدة خيارات ، إما تستسلم وتتماشى مع القوم ، وإما ترى نفسك أنك لا تستطيع المقاومة وبنفس الوقت لا تتنازل عن مبادئك فالحل أن تعتزلهم ، وإما لا هذا ولا ذاك بل تقف لوحدك تتحدى حتى لو كلفك التحدي حياتك .
ليس هذه المقدمة ضرباً من الخيال بل هو واقع ، وفي التاريخ شواهد كثيرة لمن خلدهم التاريخ بأنهم ضحوا بإنفسهم من أجل المبدأ ، وقالوا الكلمة التي يؤمنون بها وكلفتهم الكلمة الكثير ، وكلفهم الموقف حياتهم ، لكن لم يتنازلوا ولم يستسلموا ، ولم يهادنوا ، ولم يخضعوا .
نعم ذكر لنا القرآن الكريم عن شخصية عاشت بين مجتمع طغى في الجهل وتفشى فيه مرض ضعف الأرادة ، وتحكم فيه طاغية متجبر انقاد له الكل بالطاعة العمياء .
نعم إن ذلك الشخص هو نبي الله إبراهيم الخليل (ع) الذي وصفه القرآن بإنه أمة لوحده قال تعالى : ﴿إِنَّ إِبراهيمَ كانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠] .
فكان أمةً في الموقف ، وكان أمةً في شرف الكلمة ، وكان أمة في القدوة والأسوة ، جعله الله مثلاً لكل الناس في صلابة الموقف ، وفي قوله للحق ، وفي الوقوف بوجه الحاكم المتجبر ، وفي إعلان التوحيد ونبذ كل معبود دون الله قال تعالى : ﴿قَد كانَت لَكُم أُسوَةٌ حَسَنَةٌ في إِبراهيمَ وَالَّذينَ مَعَهُ إِذ قالوا لِقَومِهِم إِنّا بُرَآءُ مِنكُم وَمِمّا تَعبُدونَ مِن دونِ اللَّهِ كَفَرنا بِكُم وَبَدا بَينَنا وَبَينَكُمُ العَداوَةُ وَالبَغضاءُ أَبَدًا حَتّى تُؤمِنوا بِاللَّهِ وَحدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤]
فوقف بوجه الجهل بكل ما يحمل من معانٍ وخاطب تلك العقول الساذجة التي عبدت احجار وهي عقول متحجرة لا تعرف معنى المنطق ولا الدليل ولا الحجة ولا البرهان﴿إِذ قالَ لِأَبيهِ وَقَومِهِ ما هذِهِ التَّماثيلُ الَّتي أَنتُم لَها عاكِفونَ﴾ [الأنبياء: ٥٢] ، ومن باب العاطفة خص من رباه بالقول : ﴿وَإِذ قالَ إِبراهيمُ لِأَبيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصنامًا آلِهَةً إِنّي أَراكَ وَقَومَكَ في ضَلالٍ مُبينٍ﴾ [الأنعام: ٧٤].
وأقام له الحجة والبرهان لكن لا تنفع على من جعل على عينيه حاجباً عن ضوء الشمس ﴿إِذ قالَ لِأَبيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعبُدُ ما لا يَسمَعُ وَلا يُبصِرُ وَلا يُغني عَنكَ شَيئًا﴾ [مريم: ٤٢]، وعاد مرةً ومرة مخاطباً قومه ومحتج عليه بحجج دامغة فما كان جواب قومه إلا أن ﴿قالوا وَجَدنا آباءَنا لَها عابِدينَ﴾ [الأنبياء: ٥٣] ، فما كان من إبراهيم إلا أن يريهم عملياً أن ما كان يعمله أباءهم، وما يعملونه الآن من عبادتهم لأحجار لا تضر ولا تنفع ، وأنها لا تستطيع أن تدافع عن نفسها فكيف تدافع عن غيرها ، لذا قام بتسكيرها ، وبعد أن عرفوا أنه هو الذي كسرها احتج عليهم بحجة لا يمكنهم دفعها وردها ﴿قالَ بَل فَعَلَهُ كَبيرُهُم هذا فَاسأَلوهُم إِن كانوا يَنطِقونَ﴾ [الأنبياء: ٦٣] ، لكن بما أنهم لا ينطقون بعد تكسيرهم ، ولا قبله ، ولا كبيرهم ينطق حتى يشهد على إبراهيم أم له ، أم يشهد له بصحة عبادتهم وضحالة تفكيرهم ، فعد ذلك كان نداء الفطرة الداخلي يناديهم ﴿فَرَجَعوا إِلى أَنفُسِهِم فَقالوا إِنَّكُم أَنتُمُ الظّالِمونَ﴾ [الأنبياء: ٦٤]، حقيقةً قالوا ذلك في داخل نفوسهم أم اعلنوا ذلك ، والظاهر لم يعلنوا تلك الحقيقة خوفاً من الحاكم الطاغي ومن مخالفة السلوك الجمعي ﴿ثُمَّ نُكِسوا عَلى رُءوسِهِم لَقَد عَلِمتَ ما هؤُلاءِ يَنطِقونَ﴾ [الأنبياء: ٦٥] ، إلا أنهم لم يتركوا عبادة تلك الأشياء التي صنعوها بإيديهم وهم يعلمون أنها لا تضر ولا تنفع فقال لهم إبراهيم : ﴿قالَ أَفَتَعبُدونَ مِن دونِ اللَّهِ ما لا يَنفَعُكُم شَيئًا وَلا يَضُرُّكُم﴾ [الأنبياء: ٦٦] ، فلم يحرو جواباً ، وهم يعلمون في داخل نفوسهم أنهم على خطأ ، لكن ماذا تصنع لمن حكم هواه على عقله فقطعاً سوف تتأسف عليه ﴿أُفٍّ لَكُم وَلِما تَعبُدونَ مِن دونِ اللَّهِ أَفَلا تَعقِلونَ﴾ [الأنبياء: ٦٧] .
وبدل من أن يذعنوا لحقيقة ما جاء به إبراهيم، ويقتنعوا بحجته الدامغة التي دمغت عقولهم المتحجرة ، لكن ماذا تصنع لمن حَجَرَ على عقله ، وعقَّلَ حجراً !
ماذا تتوقع من هكذا مجتمع إلا أن ﴿قالوا حَرِّقوهُ وَانصُروا آلِهَتَكُم إِن كُنتُم فاعِلينَ﴾ [الأنبياء: ٦٨] .
لم يهتز إبراهيم لتهديدهم ولم يرتجف بل وقف يعطيهم درساً بكلمة الموقف وموقف الكلمة ، يعطيهم درساً في شجاعة العقيدة ومعنى التوحيد وتوحيد المعنى ، فأسرعوا بإن يضرموا له ناراً ، وكانت قلوبهم تشتعل ناراً على عقيدتهم الفاسدة ، إلا أن إبراهيم حرق تلك النار بثباته ، وأحرقَ كل أوراقهم ، فخمدت نارهم لكن لم يخمد صوت الحق ، وخلد الله إبراهيم وجعله قدوةً لكل المسلمين والمؤمنين ﴿قَد كانَت لَكُم أُسوَةٌ حَسَنَةٌ في إِبراهيمَ وَالَّذينَ مَعَهُ إِذ قالوا لِقَومِهِم إِنّا بُرَآءُ مِنكُم وَمِمّا تَعبُدونَ مِن دونِ اللَّهِ كَفَرنا بِكُم وَبَدا بَينَنا وَبَينَكُمُ العَداوَةُ وَالبَغضاءُ أَبَدًا حَتّى تُؤمِنوا بِاللَّهِ وَحدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤]
فإبراهيم أصبح قدوة للمسلمين في التولي والتبري ، وفي ساحة الصراع بين الحق والباطل لا يرتضي من الإسلام بالسكوت أو الأنعزال أو الحياد ، فإما أنت مع الحق وإما مع الباطل
على وفق المنهج القرآني في التولي والتبري ﴿وَالمُؤمِنونَ وَالمُؤمِناتُ بَعضُهُم أَولِياءُ بَعضٍ يَأمُرونَ بِالمَعروفِ وَيَنهَونَ عَنِ المُنكَرِ وَيُقيمونَ الصَّلاةَ وَيُؤتونَ الزَّكاةَ وَيُطيعونَ اللَّهَ وَرَسولَهُ أُولئِكَ سَيَرحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزيزٌ حَكيمٌ﴾ [التوبة: ٧١]
فالمؤمن الحقيقي هو من يطيع الله ورسوله ، وطاعة الله بإتباع كتابه والعمل به وموالاته لا غير قال تعالى : ﴿اتَّبِعوا ما أُنزِلَ إِلَيكُم مِن رَبِّكُم وَلا تَتَّبِعوا مِن دونِهِ أَولِياءَ قَليلًا ما تَذَكَّرونَ﴾ [الأعراف: ٣] ، وهنا نذكر ونذكر ونذكر أن من ترك ولاية الله فما هو مصيره وبأي ركن هو ممسك ﴿مَثَلُ الَّذينَ اتَّخَذوا مِن دونِ اللَّهِ أَولِياءَ كَمَثَلِ العَنكَبوتِ اتَّخَذَت بَيتًا وَإِنَّ أَوهَنَ البُيوتِ لَبَيتُ العَنكَبوتِ لَو كانوا يَعلَمونَ﴾ [العنكبوت: ٤١] .
ولِمَ يطلب ولي غير الله ؟
حتى يكون عزيزاً بموالاتهم ، وفي الحقيقة الشيطن صور له ذلك ونفسه الأمارة قال تعالى : ﴿الَّذينَ يَتَّخِذونَ الكافِرينَ أَولِياءَ مِن دونِ المُؤمِنينَ أَيَبتَغونَ عِندَهُمُ العِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَميعًا﴾ [النساء: ١٣٩]
وقد نهانا الله عن مولاة بعض الأصناف منهم الكافرين حتى لو كان لهم بنا قرابة قال تعالى : ﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا لا تَتَّخِذوا آباءَكُم وَإِخوانَكُم أَولِياءَ إِنِ استَحَبُّوا الكُفرَ عَلَى الإيمانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِنكُم فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمونَ﴾ [التوبة: ٢٣] ، ومن تولاهم مع هذا النهي فهو ظالم .
وقوله تعالى : ﴿لا يَتَّخِذِ المُؤمِنونَ الكافِرينَ أَولِياءَ مِن دونِ المُؤمِنينَ وَمَن يَفعَل ذلِكَ فَلَيسَ مِنَ اللَّهِ في شَيءٍ إِلّا أَن تَتَّقوا مِنهُم تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفسَهُ وَإِلَى اللَّهِ المَصيرُ﴾ [آل عمران: ٢٨]
وليس من الله في شيء يعني لاقيمة لإيمانه ، ولا ينتفع به غدا ، ويستثنى موضع التقية .
وفي الحقيقة هناك مولاة عمودية وهناك مولاة أفقية
أما المولاة العمودية فهي لله ولرسوله ولولاة الأمر الذين نعتقد أنهم أئمة أهل البيت كما أخبر النبي (ص) .
والمولاة الأفقية هي بين المؤمنين بعضهم لبعض .
ونهانى الله عن مولاة الكافرين كما ذكرنا ، وكذلك من كان يستهزء بالدين قال تعالى : ﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا لا تَتَّخِذُوا الَّذينَ اتَّخَذوا دينَكُم هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذينَ أوتُوا الكِتابَ مِن قَبلِكُم وَالكُفّارَ أَولِياءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِن كُنتُم مُؤمِنينَ﴾ [المائدة: ٥٧]
ومن يتولهم بعد هذا النهي فليس بمسلم .
كذلك عدم مولاة أي عدو لله قال تعالى : ﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا لا تَتَّخِذوا عَدُوّي وَعَدُوَّكُم أَولِياءَ تُلقونَ إِلَيهِم بِالمَوَدَّةِ وَقَد كَفَروا بِما جاءَكُم مِنَ الحَقِّ يُخرِجونَ الرَّسولَ وَإِيّاكُم أَن تُؤمِنوا بِاللَّهِ رَبِّكُم إِن كُنتُم خَرَجتُم جِهادًا في سَبيلي وَابتِغاءَ مَرضاتي تُسِرّونَ إِلَيهِم بِالمَوَدَّةِ وَأَنا أَعلَمُ بِما أَخفَيتُم وَما أَعلَنتُم وَمَن يَفعَلهُ مِنكُم فَقَد ضَلَّ سَواءَ السَّبيلِ﴾ [الممتحنة: ١]
ومنهم عدم مولاة اليهود والنصارى قال تعالى : ﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا لا تَتَّخِذُوا اليَهودَ وَالنَّصارى أَولِياءَ بَعضُهُم أَولِياءُ بَعضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِنكُم فَإِنَّهُ مِنهُم إِنَّ اللَّهَ لا يَهدِي القَومَ الظّالِمينَ﴾ [المائدة: ٥١]
ومن تولاهم فظاهر الآية هو منهم ، وهو ظالم ، وهو بعيد عن هداية الله ، بمعنى أنه ضالٌ مٌضل .
الله يدعوه إلى مولاة المؤمنين لكن ﴿وَمَن لا يُجِب داعِيَ اللَّهِ فَلَيسَ بِمُعجِزٍ فِي الأَرضِ وَلَيسَ لَهُ مِن دونِهِ أَولِياءُ أُولئِكَ في ضَلالٍ مُبينٍ﴾ [الأحقاف: ٣٢]
وأي ضلال أوضح من هذا ، فهؤلاء ماذا أخبر عنهم القرآن ؟
أخبر بأن﴿مِن وَرائِهِم جَهَنَّمُ وَلا يُغني عَنهُم ما كَسَبوا شَيئًا وَلا مَا اتَّخَذوا مِن دونِ اللَّهِ أَولِياءَ وَلَهُم عَذابٌ عَظيمٌ﴾ [الجاثية: ١٠]
فأقول : لمن سارع من عربان الخليج الذين يزعمون أنهم مسلمون ويقرأون القرآن ، بل يحفظونه غالبية علمائهم ، وكذلك الأردنيون والسوريون ومن لحقهم من حكام وشعوب المغرب العربي أين انتم عن القرآن إذ قال ﴿أُولئِكَ لَم يَكونوا مُعجِزينَ فِي الأَرضِ وَما كانَ لَهُم مِن دونِ اللَّهِ مِن أَولِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ ما كانوا يَستَطيعونَ السَّمعَ وَما كانوا يُبصِرونَ﴾ [هود: ٢٠]
فهل سمعتم أخوانكم المسلمون في غزة يستغيثون فلا يغاثون ، أم كنتم تبصرون ما حل بهم ولا تبصرون .
والآن هل تسمعون أصوات القصف على جارتكم والمرتبطة معكم بالعقيدة إيران الإسلام أم لا تسمعون ؟
هل ترون ما حل بهم من الكفار أم لا ترن ؟
مع من تقفون ؟
الحق واضحٌ وبين
والباطل واضحٌ وبين
كونوا شجعان وقفوا مع الحق
وإذا لم تستطيعوا ذلك
كونوا أحراراً كما قال المولى أبو عبد الله الحسين للجيش الأموي الذي خرج لقتاله ( كونوا أحراراً في دنياكم ، كونوا عرباً كما تزعمون ) .