يواجه ملف تصدير النفط الخام العراقي تحديات جيوسياسية غير مسبوقة وضعت استقرار المالية العامة على المحك، لا سيما مع تعطل الممرات المائية الحيوية وتصاعد حدة الصراع الإقليمي.
وفيما يعتمد العراق بنسبة 90% على الإيرادات النفطية لتمويل موازنته، باتت “صدمة هرمز” عائقاً أمام تدفق قرابة 3 ملايين برميل يومياً نحو الأسواق الآسيوية، مما حرم البلاد من استثمار الطفرة السعرية التي تجاوزت حاجز الـ 110 دولارات للبرميل الواحد.
في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، وما تفرضه التطورات الأمنية والسياسية من تحديات متزايدة على اقتصادات الدول، يبرز ملف تصدير النفط الخام العراقي بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية وتأثيراً في استقرار المالية العامة.
ويأتي ذلك في وقت يعتمد فيه العراق بشكل كبير على الإيرادات النفطية لتمويل موازنته، ما يجعل أي اضطراب في تدفق الصادرات أو تقلب في الأسواق العالمية عاملاً مباشراً في تعميق الضغوط الاقتصادية
ودفعت أحداث المنطقة الخبراء إلى التأكيد على ضرورة إعادة النظر في آليات إدارة قطاع التصدير النفطي، بما يواكب طبيعة المرحلة ويؤسس لسياسات أكثر مرونة وقدرة على التعامل مع الأزمات، فالتحديات الراهنة لا تقتصر على الجوانب الفنية أو اللوجستية، بل تمتد إلى تعقيدات المشهد الإقليمي.
ومثلما يؤكد ذلك المستشار المالي لرئيس الوزراء، الدكتور مظهر محمد صالح، الذي أشار إلى أن “العراق يعدُّ سادس أكبر دولة مُصدِّرة للنفط الخام في العالم من حيث حجم وقيمة الصادرات، بحصة تلامس نحو 8 بالمئة من إجمالي الصادرات النفطية العالمية، ويأتي مباشرة بعد كندا.
وأضاف “هذا الموقع يمنح العراق مكانة مهمة في سوق الطاقة الدولية، ويجعله لاعباً مؤثراً في توازنات العرض والطلب في السوق النفطية العالمية، غير أن التطورات الجيوسياسية المرتبطة بالحرب الدائرة في الشرق الأوسط، وما بات يُعرف بـ «صدمة هرمز» نتيجة التوتر والصراع على الممر البحري الحيوي في مضيق هرمز، أفضت إلى تعطّل ما يقارب 90بالمئة من القدرة التصديرية للنفط العراقي، ولا سيما الصادرات المتجهة إلى أكبر اقتصادين آسيويين مستهلكين للطاقة، وهما الصين والهند.
تصدير النفط العراقي
ويرى صالح، أن “هذا التعطّل يعني عملياً أن السوق النفطية العالمية أصبحت محرومة من إمدادات عراقية تقارب ثلاثة ملايين برميل يومياً أو أكثر، وعلى الرغم من أن جزءاً من هذه الكميات جرى تعويضه من قبل دول مُصدِّرة تقع خارج نطاق الصراع في الشرق الأوسط أو خارج مسار هرمز، فإن فائض الريع النفطي الناتج عن ارتفاع الأسعار العالمية خلال الأسابيع الماضية، وبعد أن قفز سعر البرميل من نحو 70 دولاراً إلى أكثر من 110 دولارات، وهو ريع مقارن لم يذهب لمصلحة المالية العامة في بلادنا، بل استفادت منه دول أخرى مصدّرة للنفط داخل وخارج منظمة أوبك مثل كندا والمكسيك وعدد من الدول الإفريقية المنتجة.
حرمان المالية العراقية من طفرة أسعار النفط
وبذلك، يقول المستشار الحكومي، فقد تحولت خسارة العراق لطاقته التصديرية البالغة نحو ثلاثة ملايين برميل يومياً، وعلى وفق مفهوم الكلفة الفرصة أو الفرصة البديلة، من حالة إيجابية كان يمكن أن تعزز عوائد الموازنة العامة بفعل ارتفاع الكمية والسعر معاً، إلى حالة سلبية حرمت المالية العامة من إيرادات كبيرة في ظل الأسعار المرتفعة للبرميل.
ويبين صالح، أن الاقتصاد العراقي يعتمد بدرجة كبيرة على العائدات النفطية، إذ تشكّل الإيرادات النفطية نحو 90 بالمئة من موارد الموازنة العامة، لذا، فإن تعطّل الصادرات في هذه الظروف الاستثنائية يعني انتقال جزء من الريع النفطي المتوقع للعراق إلى دول مصدّرة أخرى تقع خارج نطاق الصراع في حزام الطاقة في الشرق الأوسط.
وعلى الرغم من تراجع حجم الصادرات النفطية للعراق، بيد أن صالح أكد أن إدارة السياسة الاقتصادية قادرة، إلى حدٍّ ما على امتصاص جزء من هذه الصدمة، ففي ظل انضباط مالي مرتفع يركز على ترشيد النفقات القابلة للتأجيل وتعظيم الإيرادات غير النفطية، ومع وجود حيّز مالي مرن تدعمه عوائد نفطية مرتفعة ستتحقق خلال الشهرين المقبلين، نتيجة أن تسعير النفط يتم بفترة لاحقة لعملية التصدير كسياق عالمي متبع، فإن ذلك يسمح بالاستمرار في تأمين أولويات الإنفاق الأساسية، وفي مقدمتها الرواتب والأجور والمعاشات التقاعدية وتخصيصات الرعاية الاجتماعية، فضلاً عن تسديد التزامات خدمة الدين العام والالتزامات الحاكمة الأخرى.
كما أشار صالح، إلى أنه وفي الوقت ذاته، تمارس السياسة النقدية دوراً داعماً عبر عمليات التيسير الكمي وهي سياسة ملبية لتوفّر السيولة اللازمة لتمويل أولويات الصرف في الظرف الاقتصادي الراهن، و مستندة إلى احتياطيات كفوءة من النقد الأجنبي، في وقت نجد تكاملاً عالي الدقة بين السياسات النفطية والمالية والنقدية والتجارية في إدارة الاقتصاد الكلي وتعمل بمسار تدوير الزوايا لامتصاص آثار الصدمة الجيو-اقتصادية الناتجة عن الحرب.
وعليه، يمكن القول إن العراق يتأثر بهذه الحرب بوصفها متغيراً جيو-اقتصادياً سالباً فرضته ظروف إقليمية خارجة عن إرادته، إلا أن المؤشرات الحالية توحي بقدرة الاقتصاد الوطني على المحافظة على قدر من الاستقرار المالي في الأمد القصير ، ريثما تُفتح منافذ بديلة لتصدير النفط خارج مسار مضيق هرمز، وحتى تضع هذه الحرب أوزارها، وهو ما يُؤمل ألا يطول أمدها .
منطلق لمرحلة جديدة
من ناحيته، ذكر عضو منتدى بغداد الاقتصادي جاسم العرادي، أن أحداث الشرق الأوسط والحرب الدائرة يجب أن تمثل منطلقاً لمرحلة جديدة في إدارة آلية تصدير النفط الخام العراقي وأن تكون هناك مرونة في آلية التصدير تقلل من تأثر العراق بالأحداث العالمية، لاسيما في ظل اعتماد الموازنة الاتحادية العامة بشكل كبير على العائدات النفطية.
وشدد على أن لا يكون هناك توقف أو تقييد الصادرات النفطية للبلاد عبر المنافذ المعتمدة، كي لا تحصل فجوة في الموارد المالية وتزيد من الضغوط على المالية العامة.
إدارة الإنتاج والتصدير
وعن إدارة ملف تصدير النفط الخام عبر ميناء جيهان، أشار العرادي، إلى ضرورة العمل بجميع الاتجاهات وأن تحصل تفاهمات تخلق حالة من الاستقرار في ملف الطاقة بين بغداد وأربيل، وهو ما قد يؤثر في عمليات إدارة الإنتاج والتصدير، وأن لا تكون هناك آثار على التزامات العراق التصديرية إلى الأسواق العالمية.
لافتاً إلى أنه بعد زوال هذه الأحداث يجب معالجة هذا الملف من خلال تفاهمات واضحة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم وفق الأطر الدستورية.
وبين المتحدث، أن الوصول إلى صيغة توافقية دائمة من شأنه أن يعزز استقرار الصادرات النفطية ويطمئن الأسواق والشركات العاملة في قطاع الطاقة، وكذلك دعم قدرة العراق على الحفاظ على مستويات إنتاج وتصدير مستقرة في ظل التحديات التي تشهدها أسواق الطاقة عالمياً.
مصالح العراق المالية
بدوره الخبير الاقتصادي أحمد مكلف بين أن ملف تصدير النفط الخام يحتاج إلى معالجة فنية وقانونية متوازنة تضمن استقرار تدفقات النفط إلى الأسواق العالمية وتحافظ في الوقت نفسه على مصالح العراق المالية.
ونبه إلى ضرورة أن تكون هناك مسارات عدة لتصدير النفط الخام العراقي تحقق مرونة وقت الطوارئ وأوقات السلم ولا تكون هناك قيود على تصدير النفط الخام من جميع الحقول العراقية، خصوصاً في ظل اعتماد الاقتصاد العراقي بصورة كبيرة على العائدات النفطية لتمويل الموازنة.
سياسات الإنتاج والتصدير
وقال مكلف: إن ملف تصدير النفط الخام يحتاج إدارة نموذجية تعزز ثقة الشركات النفطية والاستثمارات في قطاع الطاقة، وأن الاستقرار في سياسات الإنتاج والتصدير يمثل عاملاً مهماً في جذب الاستثمارات وتعزيز الشراكات مع الشركات العالمية العاملة في هذا المجال.
وشدد على أن المرحلة الحالية تتطلب إدارة فعّالة للموارد النفطية، بما يساهم في تعزيز الاستقرار الاقتصادي ويحافظ على موقع العراق كمصدر رئيس للطاقة في الأسواق الإقليمية والدولية.
بدائل أكثر مرونة
أما الخبير الاقتصادي د. سلوان الهاشمي قال: إن الإشكالات التي تواجه ملف تصدير النفط تفرض على الحكومة إعادة النظر في آليات التصدير المعتمدة حالياً، والعمل الجاد على إيجاد بدائل أكثر مرونة تضمن استمرار تدفق الصادرات النفطية دون تأثرها بالظروف السياسية أو الفنية.
دراسة خيارات التصدير
وأفاد الهاشمي بأن تنويع منافذ التصدير بات ضرورة إستراتيجية.
مشيراً إلى أهمية تفعيل التصدير عبر البحر المتوسط من خلال أكثر من منفذ، إلى جانب دراسة خيارات التصدير عبر البحر الأحمر، بما يساهم في تقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد على مسار واحد للصادرات النفطية.
وأضاف أن اعتماد سياسة تعدد المنافذ يمنح العراق قدراً أكبر على إدارة صادراته النفطية ويعزز استقرار الإيرادات، وتوفير مرونة أكبر في التعامل مع المتغيرات الإقليمية والدولية التي قد تؤثر في حركة الطاقة والتجارة العالمية.