حين تُقصف منظومة الطاقة: قراءة هندسية في تداعيات استهداف الغاز وإغلاق مضيق هرمز على مستقبل الكهرباء في العراق

حين تُقصف منظومة الطاقة: قراءة هندسية في تداعيات استهداف الغاز وإغلاق مضيق هرمز على مستقبل الكهرباء في العراق

لم تعد الطاقة مجرد عنصر داعم للاستقرار…بل أصبحت هدفاً مباشراً في الصراع.
الضربات الأخيرة من دولة الاحتلال الصهيونية التي استهدفت أجزاء من حقل “بارس الجنوبي” في إيران — أكبر حقل غاز في العالم — تمثل تحولاً نوعياً في طبيعة النزاعات الحديثة. فبحسب تقارير دولية، أدت هذه الهجمات إلى تعطّل أجزاء من الإنتاج وحدوث حرائق داخل المنشآت، ما تسبب باضطراب فوري في تدفقات الغاز الإقليمية، خصوصاً نحو العراق الذي يعتمد بشكل كبير على الإمدادات الإيرانية (Wikipedia, 2026; WSJ, 2026).
هذا التحول لا يمكن قراءته كحدث عسكري عابر، بل كإشارة إلى دخول المنطقة مرحلة استهداف البنية التحتية للطاقة كأداة ضغط استراتيجية.
هشاشة النظام الطاقوي في ظل التصعيد
الاقتصادات الحديثة تعتمد على منظومات طاقة مركزية، مترابطة، وعالية الحساسية.
واستهداف منشأة واحدة في نقطة استراتيجية قد يؤدي إلى سلسلة من التأثيرات المتتابعة:
•    تراجع إنتاج الكهرباء
•    اختلال استقرار الشبكات
•    ارتفاع أسعار الطاقة
•    تعطّل القطاعات الصناعية والخدمية
وتشير تقارير إعلامية وتحليلية إلى أن استهداف منشآت الطاقة بات يُستخدم كوسيلة تصعيد مباشرة، لما له من تأثير واسع وسريع على الدول (AP News, 2026).

العراق: اعتماد مرتفع ومخاطر مضاعفة
بالنسبة للعراق، فإن التأثير لم يكن نظرياً. تشير البيانات إلى أن العراق يعتمد على إيران لتغطية ما بين 30% إلى 40% من احتياجاته من الغاز والطاقة الكهربائية (Wikipedia, 2026). ومع توقف هذه الإمدادات جزئياً بعد الضربات، فقدت الشبكة الوطنية ما يقارب 3100 ميغاواط من قدرتها الإنتاجية بشكل فوري (WSJ, 2026).
هذا الانخفاض انعكس مباشرة على:
•    زيادة ساعات انقطاع الكهرباء
•    ارتفاع الضغط على المنظومة الوطنية
•    تراجع كفاءة التشغيل في أوقات الذروة
وهنا يبرز السؤال الجوهري:
هل يمكن لمحطات الغاز المحلية في العراق أن تعوّض هذا النقص؟
محطات الغاز في العراق: قدرة موجودة… لكن بلا استدامة
حيث يمتلك العراق عدداً كبيراً من محطات التوليد الغازية، لكن المشكلة الأساسية ليست في عدد المحطات، بل في توفر الوقود.
رغم أن العراق من الدول المنتجة للنفط، إلا أنه لا يزال يحرق كميات كبيرة من الغاز المصاحب بدلاً من استثماره، ما يضطره إلى استيراد الغاز لتشغيل محطاته.
بالتالي:
•    المحطات لا تعمل بكامل طاقتها
•    الإنتاج مرتبط باستقرار الإمدادات الخارجية
•    أي انقطاع في الغاز يؤدي إلى فقدان مباشر في الإنتاج الكهربائي
بمعنى آخر،
العراق يمتلك بنية إنتاج… لكنه لا يمتلك استقلالية طاقوية.

السيناريو الأخطر: إغلاق مضيق هرمز
إذا كان استهداف الغاز يمثل صدمة أولية، فإن إغلاق مضيق هرمز يمثل سيناريو الانهيار الشامل للطاقة.
يمر عبر هذا المضيق ما يقارب 20% من إمدادات النفط والغاز العالمية (Wikipedia, 2026). ومع تصاعد التوترات، سجلت تقارير انخفاضاً كبيراً في حركة الناقلات النفطية، إضافة إلى تزايد المخاطر الأمنية التي دفعت العديد من شركات الشحن والتأمين إلى تقليص أو إيقاف عملياتها في المنطقة (Reuters, 2026; The Guardian, 2026).
بالنسبة للعراق، فإن هذا السيناريو يحمل تداعيات خطيرة:
•    انخفاض إنتاج النفط بنسبة قد تصل إلى 70% في حال تعطل التصدير (Reuters, 2026)
•    ضغط مباشر على الموازنة العامة (حيث يشكل النفط نحو 90% من الإيرادات)
•    صعوبة في تصدير النفط بسبب الاعتماد على الممرات البحرية
هل يمتلك العراق بدائل نقل كافية؟
من الناحية اللوجستية، لا يمتلك العراق أسطول ناقلات نفطية مستقل وكافٍ لإدارة صادراته بشكل كامل.
بل يعتمد بدرجة كبيرة على:
•    شركات شحن دولية
•    ناقلات أجنبية
•    خدمات تأمين بحرية خارجية
وفي ظل النزاعات:
•    ترتفع تكاليف التأمين بشكل كبير
•    تتجنب الشركات المرور في مناطق النزاع
•    تصبح حركة النقل خاضعة لاعتبارات سياسية وعسكرية
رغم وجود بدائل محدودة مثل خط كركوك–جيهان عبر تركيا، إلا أنها لا تكفي لتعويض فقدان التصدير البحري بالكامل (Reuters, 2026).
ما الذي تكشفه هذه الأزمة؟
هذه التطورات لا تعكس فقط تصعيداً عسكرياً،
بل تكشف خللاً هيكلياً في نموذج الطاقة:
الاعتماد على مصادر مركزية، مرتبطة جغرافياً وسياسياً، يجعل الأنظمة الطاقوية عرضة للانهيار السريع.
الطاقة الشمسية: خيار تقني أم ضرورة استراتيجية؟
في هذا السياق، تبرز الطاقة الشمسية ليس كبديل بيئي فقط، بل كخيار استراتيجي.
العراق يمتلك واحداً من أعلى معدلات الإشعاع الشمسي في المنطقة، بمتوسط يتراوح بين 5 إلى 6 كيلوواط ساعة لكل متر مربع يومياً، وهي قدرة كافية لدعم تحول واسع في مزيج الطاقة.
مزايا هذا الخيار تتجاوز الجانب البيئي:
•    إنتاج لامركزي يقلل من مخاطر الاستهداف
•    استقلالية عن سلاسل الإمداد الخارجية
•    سرعة في التنفيذ مقارنة بالمشاريع التقليدية
•    مرونة في التوسع حسب الحاجة
هل يمكن أن تغطي الطاقة الشمسية العجز؟
من منظور هندسي واقعي:
 لا يمكن للطاقة الشمسية وحدها أن تعوض النقص فوراً .
 لكنها تمثل أسرع مسار ممكن لتقليل الاعتماد على الغاز .
الحل ليس في الاستبدال الفوري، بل في إعادة هيكلة النظام الطاقوي تدريجياً نحو التنويع والمرونة.
ما الذي يجب أن يحدث الآن؟
على مستوى الحكومة:
•    تسريع مشاريع الطاقة الشمسية على نطاق واسع
•    دعم الأنظمة اللامركزية (Distributed Systems)
•    استثمار الغاز المصاحب وتقليل الهدر
على مستوى المستثمرين:
•    دخول السوق في مرحلة نمو مرتفعة
•    الاستثمار في المشاريع متوسطة وسريعة التنفيذ
•    الاستفادة من فجوة الطلب المتزايدة
على مستوى المواطن:
•    التوجه نحو الأنظمة الشمسية المنزلية
•    تقليل الاعتماد على الشبكة
•    التعامل مع الطاقة كعنصر استقرار شخصي
الخلاصة
ما يحدث اليوم يتجاوز كونه أزمة عابرة…إنه اختبار حقيقي لقدرة الدول على الصمود في وجه صدمات الطاقة.في عالم تُستهدف فيه منشآت الغاز،وتُغلق فيه الممرات البحرية…لن يكون التحدي في توفر الموارد، بل في مرونة النظام الطاقوي وقدرته على التكيف. والدول التي ستنجح في هذا التحول…هي التي ستبقى.
المصادر (References):
AP News (2026)
Reuters (2026)
The Wall Street Journal (2026)
The Guardian (2026)
Wikipedia (2026) – South Pars Attack, Strait of Hormuz Crisis