أي عار أكبر من أن تتعرى هيأة تحرير الشام وتظهر معايبها من خلال تصريح غير متوقع من الرئيس الامريكي دونالد ترامب، الذي لم يتردد في القول بأنه من نصب الجولاني على رأس السلطة المؤقتة الجديدة في دمشق، ولم يكتفي بذلك فأثنى عليه معتبرا أنه يقوم بعمل استثنائي، وهو ليس ملاكا بريئا، فالبريء لا يمكنه القيام بما يفعله. وترامب مدرك تماما لما صرح به، مدفوعا بكبرياء حمقاء لن تتركه الا بعد أن ترديه في شر أفعاله.
اعتراف اسقط فرضية الثورة السورية تماما، ووضع بدلها تفاهما تم بين أمريكا الرأس المدبر وتركيا اللاعب الاساسي الذي احتضن ودرب وسلح وحمى هيئة تحرير الشام وغيرها من الفصائل المتعددة الجنسيات، ولم تكن اسرائيل سوى رافدا من روافد تركيز النظام السوري الجديد، مقابل أن لا يحرك ساكنا تجاه ما تقوم به قواتها من تثبيت نقاط مراقبة وتوغل متكرر داخل الأراضي السورية، من دون أي اعتراض يمكن أن يوقف عربدة القوات الصهيونية.
طبعا ما قاله الرئيس الأمريكي يدخل في اطار عقليته المستكبرة المتباهية بما قام به، وان كان كاذبا في أغلب ما صرح به بخصوص إيران، فإنه في هذه الحال يبدو صادقا، نظرا لتسارع أحداث المشهد السوري الذي سبق سقوط بشار، ما يرجح صحة فرضية المؤامرة المركبة التي وافق عليها الأمريكيون والاتراك والاسرائيليون، ونفذت بتواطؤ ايضا مع الروس، الذين بذلوا من قبل جهودا غير معلنة، لإخراج إيران عسكريا من سوريا، مقابل ذلك حافظت روسيا على قاعدتيها في حلب وطرطوس.
كلام دونالد ترامب عن الجولاني يستبطن دورا عهد اليه القيام به، وتوصيفه اياه بالعمل الجيد فيه ايحاء بأن هذا الرجل يستعد لتنفيذ ما هو مطلوب منه بخصوص لبنان، عندما يأتي الضوء الاخضر لبدء المهمة القذرة التي سيتقلدها دون تردد، وطبعا سيكون له شركاء فيها، فأمريكا وإسرائيل سيكونان الى جانب قواته، إذا ما هاجمت لبنان والهدف القضاء على حزب الله، وتأمين جنوب لبنان من وجوده الذي مثل عقبة كؤودا في وجه مخطط إسرائيل الكبرى، وخطرا محدقا بها بعد أن برهن على كفاءة عالية في مواجهة الإحتلال الصهيوني.
وتزداد صورة الاوضاع في سوريا وضوحا عندما يصرح ناتنياهو من جهته أن اسرائيل هي التي اسقطت نظام بشار، متناغما مع تصريحات ترامب، مما أسقط ادعاء من ادعى أن ما حصل في سوريا كان ثورة اسفرت عن اسقاط نظام كان ذنبه الأكبر أنه رفض الدخول فيما دخلت فيه دول عربية من التطبيع مع الكيان الصهيوني، وبقي متشبثا بموقفه إلى آخر أيامه، ومجرد سقوطه دخلت سوريا تحت سلطة الأمر الواقع في حالة استضعاف من طرف القوات الصهيونية فاستباحوا جنوبها وسماءها بصورة متكررة ويومية، حتى تهيأ للمتابع أن سوريا تحولت من نقيض الصمود والممانعة إلى الركون والموادعة.
وتأتي تصريحات السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هكابي، كشفا فاضحا لمخططات صهيونية، بمبررات دينية وتاريخية مزيفة عنوانها "حق توراتي" للكيان الغاصب في منطقة تمتد من النيل إلى الفرات، وما اصطلح عليه بإسرائيل الكبرى، ففي مقابلة لهذا السفير مع الصحفي الأمريكي تاكر كارلسون، قال إن استحواذ إسرائيل على تلك الأراضي "سيكون مقبولا لو أنهم أخذوها كلها". ولا اخال أن مخطط التوسع الذي أصبحنا نراه بأم أعيننا، كان مسألة طارئة حدثت في هذا العصر، بل أن الفكرة قديمة نابعة من عقيدة صهيونية توراتية، بما يكشف الوجه القبيح للصهيونية العالمية التي جاءت لتستهدف ديننا وقيمنا ومقدساتنا، وتغيب شعوبنا عن اولوياتها وتقصيهم عن اهدافها.
فهل بقي لامريكا ودول الغرب من مصداقية وهي الداعمة لاسرائيل، وفي نفس الوقت مدعية حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته، دون افصاح عن موقعها الذي لا يسبب ازعاجا أو قلقا لحكومة الإحتلال الصهيوني، يمكن أن يعقل توسعها الذي تسعى إلى تحقيقه، وفيما تواصل ايران جهودها الجبارة، من أجل دعم واسناد فصائل مقاومة المشروع الصهيوني أمريكي، المستهدف منه اخضاع المنطقة بأسرها، لمشيئة قاعدة الغرب المتقدمة على أرض فلسطين.
إيران تدفع منذ ٤٧ سنة ثمنا باهظا من نوقفها المبدئي من القضية الفلسطينية، وهي تقف اليوم بمفردها في مواجهة الصلف الأمريكي وتتهيأ للدفاع عن خياراتها وحقوقها بكل عزم واصرار، متحملة في ذلك مسؤوليتها الدينية والتاريخية والأخلاقية، وهذا موقف يحسب لها ويضع كل من عارضها وخالفها وحاربها خصوصا من أهل دينها وملتها موضع اللوم والإدانة، موقف إيران اسلامي قبل أي شيء آخر ومثير للاعجاب والإكبار، ومن شأنه أن يفرض منطقه في عالم تعودت دوله على الخنوع والخضوع، وهو بحد ذاته درس ستظهر آثاره قريبا في عالم بدأ يتشكل من دون عنجهية أمريكا، وهيمنتها واستضعافها لدول العالم الثالث، الحرب مرجحة القيام بين اليوم والآخر، الهدف اخضاع ايران بالقوة، وهو ما يأمله اصحاب المشروع الصهيوني، وهي حرب ليست كما سبقها، ان الثور الامريكي سيغرق في مياه لن يكون فيها بطلا أبدا، فهل سنشهد نهاية اسرائيل الكبرى؟