الليلة تختلج النفس تباريحُ الفرح، لكنها ممزوجةٌ بخشيةِ البعد، وتستهلّ بفرحةِ المولد، إلا أنها تسير بخطى المتوئِّد. تتسامر الناسُ هذه الليلة باسمِ المولود فيها وتلهج بذكره، لكن تلفُّ القلوبَ حسرةٌ على الغياب الطويل. طال الانتظار، وقد رحل العاشقون ولم يحظَوا بشرف اللقاء، رحلوا ورحلت معهم كلُّ الأمنيات.
نعم، كأنما هم في محطات الانتظار، وقطارُ العمر يمرُّ عليهم فيأخذهم واحداً تلو الآخر ولا يتأخر.
ونحن من هؤلاء الذين ينتظرون في تلك المحطات.
أتُرى نرحل كما رحلوا ولم نتشرّف باللقاء؟
أم ننال شرف الحضور، وينتهي بساطُ الغيب ويُلفّ بلا عودةٍ إلى الوراء؟
نعم، إنه أملُ كلِّ محبٍّ يتطلع لذلك اليوم، ليرى كيف يضع الإمام يده على رؤوس الخلائق فتكتمل العقول، لا اكتمال القلوب؛ لأن القلوب ممتلئةٌ بالحبّ والشوق.
إنه ذلك اليوم الذي تهشّ إليه نفوسُ المستضعفين في كل بقعةٍ من هذه الأرض، لا نفوسُ المؤمنين به فحسب.
إن ذلك اليوم هو يومُ قضيةِ الإنسانية المعذّبة، اليوم الذي تُفتح فيه سجلاتُ الحساب، وسجلاتُ الظلامات، وسجلاتُ الظالمين.
يومُ القطع، لا قطعِ التذاكر للسفر عبر المكوكات الفضائية للهروب من وجه العدالة؛ لأنه لا مفرّ من قبضة الإمام العادل، وقد تنبأ القرآن عن ذلك الفرار إذ قال تعالى:
﴿وَما أَنتُم بِمُعجِزينَ فِي الأَرضِ وَلا فِي السَّماءِ وَما لَكُم مِن دونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلا نَصيرٍ﴾ [العنكبوت: ٢٢].
بل هو يومُ قطع دابر الظالمين، دابر المستكبرين، دابر الكافرين والجاحدين والمشركين.
وكما أنه يومُ القطع، فهو بذاته يومُ التواصل؛ يومٌ تتواصل فيه الأرض مع السماء، وتتواصل فيه الملائكة مع المؤمنين، وتتواصل فيه أرواحُ المؤمنين، ويتواصل فيه عالمُ الغيب مع عالم الشهادة.
يتواصل فيه أصحابُ المهدي مع المهدي بغير رسولٍ بينهم.
يتواصل فيه العدل مع الحق، والعدل مع القسط.
نعم، إنه يومُ الامتلاء.
تمتلئ النفوسُ بالإيمان، وتمتلئ القلوبُ بالرضا، وتمتلئ الجيوبُ بالأموال، وتمتلئ النباتاتُ بالثمار، وتمتلئ الأرضُ بالعدل والقسط، كما قد امتلأت من قبل بالجور والظلم.
ذلك اليوم الذي تكتحل به الأبصار، وتبصر به القلوب، وتُقلَب فيه الوجوه، وتُوجَّه فيه النفوس، وتتنفس فيه الصعداء، وتتَصاعد فيه الفرحات، وتفرح فيه المخلوقات.
ثمّة جبروتٌ سوف يُدكُّ عنقه في ذلك اليوم، وأربابٌ متفرقون سيجتمعون بوجه سلطان الزمان، وهناك ستسقط الأقنعة، وتظهر القلوب على حقيقتها في ولائها للاستكبار العالمي، وسوف تتضح حقيقة اليهود وحقيقة قبتهم الموهومة؛ لأن الإمام له سبعُ قبابٍ من نور، ولا يستقيم مع النور أيُّ حديد.
إنه الوعد، لكن أيُّ وعدٍ؟
إنه الوعدُ الإلهي الذي لا يقبل التخلّف ولا الخلاف.
الله لا يُخلِف؛ لأنه حكيم، والحكيم يضع الأمور في مواضعها.
وأخيراً، عذراً سيدي إن شطّ بي القلم في ليلة مولدك؛ فهي نفثاتُ قلبٍ أوجعه الفراق، وآهاتُ وجدٍ ما بارحت الروح، وشقشقةُ مظلومٍ هدرت ولم تستقر، وبوحةُ مصدومٍ لم يُسعفه الليل بالبوح، ولوعةُ مبتلى لا يرى لعلّته شفاء، وعضّةُ نادمٍ ما وصلت له ندامةُ كِسعي