في سجل الخالدين تتراءى الصور، ويوثق التاريخ شموخ الأولين. وفي طواياه تربض هامات السابقين، ويتجلى الوعي والفكر الرصين.
ولأن الزواج بناء مقدس أولاه النص أهمية، وأسماه القرآن "ميثاقًا غليظًا"، سن النبي وأهل بيته (صلى الله عليه وآله) الاختيار الحسن المبني على مجموعة من القيم والفضائل. ومن هنا راعوا الاختيار القائم على الكفاءة الحقيقية لا زيف المظاهر.
إن القيم التي بنيت عليها هذه الاختيارات تكشف أن الزواج في الإسلام ليس ارتباطًا ماديًا عابرًا، بل مشروع بناء لأسرة يرضاها الله. فقد بدأ هذا النهج باختيار السيدة خديجة (رضي الله عنها) لمحمد (صلى الله عليه وآله)، حين لم يكن ذا مال وفير، لكنه كان غنيًا بالصدق والأمانة ونقاء السيرة. وفيما رأى المجتمع فقره، رأت خديجة غناه الأخلاقي، فجعلت الخلق معيارًا للاختيار، فكان زواجها بابًا لبيت أذن الله أن يرفع.
وتتكرر الصورة نفسها عندما اختار النبي (صلى الله عليه وآله) زوجًا لابنته فاطمة عليها السلام. فقد تقدم إلى خطبتها أصحاب جاه ومال، لكنه لم يقبل إلا عليًا عليه السلام، الفقير ماديًا، الغني إيمانًا وعلمًا ومروءة، تثبيتًا للقاعدة نفسها.
ومن هذين الموقفين نستخلص عبرًا تربوية، منها:
١-المال وسيلة للحياة، لكنه ليس أساس السعادة الزوجية.
٢ـالخلق والإيمان هما السند الأقوى عند الشدائد.
٣-حسن الاختيار مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون قرارًا اجتماعيًا.
وفي الختام نقول: إن من أراد بيتًا يباركه الله، فلا يجعل مقاييس الدنيا الحكم النهائي، بل ينظر كما نظرت خديجة( رضوان الله عليها) ويحكم كما حكم النبي (صلوات الله عليه). فلتكن تلك البيوت الزكية قدوتنا المثالية، وليكن منهجها المعيار الذي نزن به خياراتنا ليصبح بيتًا من البيوت التي "أذن الله أن ترفع".
المِيثَاقُ الغَلِيظُ، "جَوْدَةٌ لَا زِينَةٌ"