خلص شغلنا!

خلص شغلنا!

كعادتي، وخلال إحدى زياراتي لمحكمة في جانب الرصافة، توقفت عند مكتبة المحكمة لأطالع آخر الإصدارات القانونية. وبينما كنت أتصفح أحد المؤلفات استعداداً لشرائه، دار حديث عابر بين زميل وزميلة من أهل المهنة. الزميلة أطلقت عبارة مستفزة عن المدونة الشرعية بقولها: (خلص شغلنا من وراها) وأضافت تعليقاً فيه مساس بالمذهب الجعفري وإساءة صريحة لمقلديه، وكأنها تنكر وجود مكون أصيل وواسع من أبناء هذا الوطن، فيما رد زميل آخر قائلاً: (حولي موكليج على المذهب الحنفي)، وكأن الحل يتمثل بالهروب من النص القانوني الشرعي إلى بدائل أخرى غير واقعية لتوريط موكليهم من جانب الشرع. وانتهى الحديث بعبارات سطحية: (مبقت ولا دعوى لا تعسفي لا سكنى لا حضانة).
إن هذا الموقف – وإن بدا عابراً – يعكس أزمة خطيرة في الوعي والخطاب المهني داخل غرف المحامين واروقة المحاكم، لأن المدونة الشرعية وتعديل قانون الأحوال الشخصية رقم (188) لسنة 1959 لم يأتيا صدفة ولا عبثاً، بل جاءا عبر إجراءات دستورية وتشريعية سليمة داخل قبة البرلمان، وبضغط مشروع و شعبي، لتحقيق الضمانات الدستورية التي كفلت للمكون الجعفري تنظيم أحواله الشخصية وفق عقيدته ومذهبه استنادا لنص المادة (42) من الدستور، انسجاماً مع مبدأ حرية الدين والمعتقد. ومن هنا فإن الطعن بالمدونة أو الاستهزاء بها ليس فقط جهلاً فقهياً أو قصوراً قانونياً، بل هو خروج على الدستور وانتهاك للحقوق المكفولة بنص القانون.
إن عبارة (خلص شغلنا من وراها) تكشف عن خلل مزدوج؛ فمن جهة هي اعتراف غير مباشر بأن كثيراً من الدعاوى السابقة كانت تقوم على أسس واهية وغير مشروعة وتستهدف الكسب المادي على حساب تفكك الأسر، ومن جهة أخرى فإنها تعكس ذهنية بعض المحامين الذين ينظرون إلى دعاوى الأحوال الشخصية كـ "رزق مضمون" لا باعتبارها قضايا إنسانية مرتبطة بالحل والحرمة والكرامة للأسرة العراقية. والحقيقة أن أي مال يُجنى من دعوى غير صحيحة شرعاً هو مال سُحت يلوث الذمة ويحاسب عليه صاحبه دينياً وأخلاقياً. فهل يعقل أن يفرح محامٍ أو محامية بانقطاع رزقه من قضايا لم تكن أصلاً قائمة على الحق والعدالة والدين؟
إن مثل هذه التصريحات الطائفية في أروقة القضاء او الإعلام او في مواقع التواصل  الاجتماعي تمثل إساءة بالغة لسمعة المهنة وانحرافاً خطيراً عن قيم الدستور الذي ألزم الدولة وجميع مؤسساتها، بما فيها نقابة المحامين، بضمان حرية العقيدة والمساواة الكاملة. وهنا يبرز الدور الجوهري للنقابة، فهي ليست مجرد مؤسسة مهنية تدير شؤون المحامين، بل هي حارس على شرف المهنة ودرع واقٍ ضد كل ما يسيء إلى وحدتها. إن مسؤولية النقابة اليوم أن تتدخل بحزم لتطويق هذه الخطابات الملوثة، وأن تضع معايير صارمة لمحاسبة أي محامٍ يتجاوز على العقائد أو يستغل المهنة لتكريس الطائفية أو تحقيق مكاسب غير مشروعة.
المحاماة ليست تجارة ولا وسيلة للكسب على حساب الناس، بل هي رسالة شريفة تستمد مشروعيتها من العدالة والدستور. وإذا تحولت قاعات المحاكم إلى ساحة لتبادل النعرات الطائفية أو للتقليل من شأن مكونات الشعب، فذلك لا يمثل فقط إساءة إلى زملاء المهنة، بل خيانة لمبادئ العدالة والدستور معاً.