الوراثة الروحية في شخصية أبي الفضل العباس "عليه السلام" تفاعل النور العلوي مع المروءة العامرية الكلابية

الوراثة الروحية في شخصية أبي الفضل العباس "عليه السلام" تفاعل النور العلوي مع المروءة العامرية الكلابية

 ورث العباس النور العلوي من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب "عليهما السلام" كما ورث الوعي النوراني، والشجاعة الفكرية، والبصيرة الإيمانية.

فالذات العلوية هي جوهر التوازن بين القوة والعقل، والعاطفة والحكمة، والعباس "عليه السلام" كان الامتداد الطبيعي لهذا الجين الروحي الفذّ، فهو يرى بعين البصيرة، ويعمل بإلهام اليقين، حيث يعود نسبه في الأب إلى بيوت الوحي والنبوات، ما يجعل كل شخصيته مهيئة للتوفيق المشبع بالهيبة الروحية والعقلية.

-  سؤال تأملي
هل يمكن أن يتفوق النسب على التهذيب؟ أيهما أعمق أثرا في تشكيل الإنسان؟

ليس كل ما يسري في العروق لحما ودما، ثمة ما يتسلل في الجينات كأنفاس من نور،
ثم ينهض في الملامح خلقا وموقفا ومبدأ، فالشجاعة والمروءة والعدالة لغة في الخلايا
لا تأتي على هيئة جين تورثها الأصول كما تورث لون العينين، إنها تفاعل بين الوراثة والتربية تتجلى في لحظة يقظة الضمير الذي يقيس الأمور بميزان لا يميل.

-  سؤال تأملي
إذا كانت الشجاعة موروثة، فأين موقع الإرادة في صناعة البطولة؟

كان أولياء الله صورة للوراثة النورانية، التي تتجاوز النسب الجسدي إلى النسب القيمي
فنجد العباس "عليه السلام" ورث من علي عليه السلام نور البصيرة والشجاعة، ومن أمهات العرب نخوة الرمال والصلابة، ومن التقاء النور بالنخوة ولدت شخصيته التي تسري في فلك التاريخ قمرا لا يأفل.
تعد مسألة وراثة الصفات الأخلاقية من القضايا التي جمعت بين علم الوراثة السلوكية والفلسفة الأخلاقية الإسلامية.
إذ يتساءل الباحثون: هل يمكن أن تورث صفات مثل الشجاعة، والعدالة، والمروءة، كما تورث الصفات الجسدية؟
وتشير الدراسات الحديثة في علم الوراثة السلوكية (Behavioral Genetics) إلى أن العوامل الوراثية تسهم في تكوين الاستعداد النفسي للصفات السلوكية، لكنها لا تحدّدها بشكل حتمي.
فالجينات تهيئ الأرضية العصبية والهرمونية التي تجعل بعض الأفراد أكثر قدرة على ضبط الخوف أو الميل للإنصاف، إلا أن تفعيل هذه القابليات يحتاج إلى بيئة تربوية وثقافية تدعمها.
يرى الفلاسفة المسلمون أن الأخلاق تنشأ من الطبع والعادة والعقل.
يقول ابن مسكويه في تهذيب الأخلاق: "الفضائل تكتسب بالممارسة، غير أن بعض النفوس مهيأة لها بطبعها."، ويؤكد الطوسي في الأخلاق الناصرية أن الاستعداد الطبيعي لا يكفي دون التهذيب، لأن "الطبع كالمادة، والعقل كالصانع، والعادة كالأداة."
وورد عن أمير المؤمنين عليه السلام قوله: "حسن الأخلاق برهان كرم الأعراق"، وفيه إشارة إلى أن الطبع الشريف يسهم في نقاء السلوك،
وهناك روايات الأخرى تؤكد على دور التربية، إذ قال عليه السلام أيضًا: "إنما قلب الحدث كالأرض الخالية مهما ألقي فيها من كل شيء قبلته"

-  سؤال تأملي
هل النسب الشريف كاف ليجعل الإنسان ذو صفات كريمة؟ أم أن الصفات الكريمة تحتاج إلى امتحان؟

ورث العباس العرق العربي النبيل، والشمم، والفروسية، والنجدة، والكرم من أمير المؤمنين ومن أمه فاطمة بنت حزام بن خالد بن ربيعة الكلابية
فبنو كلاب من بطون عامر بن صعصعة سادة البادية وفرسانها،
يجمعون بين الصبر على الشدائد والنخوة في الملمات والشجاعة، وقد عرف جده حزام بن خالد بن ربيعة بالفروسية والمروءة والعز.
من التقاء النسبين العلوي والعامري الكلابي، ورث العباس الطابع الإلهي في البصيرة والإيمان، والعنصر العربي الصافي في الشجاعة والوفاء، 
فانبثق هذا المزيج الوراثي الذي جمع بين الحِكمة السماوية والشجاعة الأرضية،
فكان "عليه السلام" تجسيدا لما يمكن تسميته بـ الاتحاد النوراني العصبي، نور الإمامة من جهة الأب، ونخوة البطولة من جهة الأم.
هذا المزج أنتج شخصا يقاتل بعين العارف وقلب الفارس، فكان رمز البطولة الواعية كما وصفه الإمام الصادق عليه السلام: «كان عمّنا العباس نافذ البصيرة صلب الإيمان».

-  سؤال ختامي للتأمل
إلى أي حد يمكن للقدوة الأخلاقية أن تشكل الإنسان، كما شكل العباس أتباعه عبر أجيال الأمة؟