جاء في التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله تعالى مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ۚ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ۗ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (الفتح 29) وقوله: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ والَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ (الفتح 29) يجتمع المجرمون يدا واحدة على صيد الفريسة، ثم يتناحرون على أكلها أما المخلصون فإنهم على نهج واحد لا تلون فيه ولا اختلاف على شيء، إخوان في دين اللَّه يتعاطفون ويتعاونون فيما بينهم تماما كالأسرة الواحدة، وأعوان للحق وأهله، وحرب على الباطل وحزبه وهذه هي بالذات صفة الخلص من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلّم بشهادة اللَّه تعالى حيث عطفهم على نبيه الكريم، ووصفهم وإياه بالغضب للَّه والرضا للَّه. وأدرك هذا الدكتور طه حسين، وهو الأديب الذي يفهم بالإشارة ولحن الدلالة، قال في كتاب (مرآة الإسلام): (لم يكن اسلام الأنبياء طاعة ظاهرة، وانما كان إسلامهم أوسع وأعمق وأصدق ما يمكن أن يكون الإسلام، وإسلام الصالحين من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلّم كذلك لم يكن ضيقا يقف عند الطاعة الظاهرة، وانما كان أوسع وأعمق من هذا). ثم ضرب الدكتور طه عمار بن ياسر مثلا على هذا الإسلام الواسع العميق وقال: كان عمار بن ياسر يقاتل مع علي بصفين في حماس أي حماس، وهو شيخ قد بلغ التسعين أو تجاوزها، وكان يقاتل عن ايمان أي ايمان بأنه يدافع عن الحق، وكان يوم قتل يحرض الناس ويقول: من رائح إلى الجنة؟ اليوم ألقى الأحبة محمدا وحزبه. وكان قتل عمار تثبيتا لعلي والصالحين من أصحابه، وتشكيكا لمعاوية ومن معه، ذلك ان كثيرا من المهاجرين والأنصار رأوا النبي صلى الله عليه وآله وسلّم يمسح رأس عمار ويقول له: ويحك يا ابن سمية تقتلك الفئة الباغية). تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً (الفتح 29) أي ان منظرهم يوحي إلى الرائي بأنهم من أهل الركوع والسجود، وان لم يرهم راكعين ساجدين يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ورِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ (الفتح 29). ليس المراد بأثر السجود هنا سواد الجبهة، كلا فإن أكثر هذا السواد أو الكثير منه رياء ونفاق، وانما المراد به الصفاء والاشراق الذي يحدث بالوجه من أثر العبادة، والمعنى ان الصحابة ركعوا وسجدوا رغبة في مرضاة اللَّه وثوابه، وخوفا من غضبه وعقابه، وقد تجلى أثر ذلك في وجوههم لكل متوسم، لأن العبادة الخالصة لوجهه تعالى تحدث في نفس العابد المخلص طهرا وصفاء تظهر دلائله على صفحات الوجه تماما كما تظهر عليه دلائل الحزن والفرح.
قال اللتعالى ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ ومَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ (الفتح 29). هذا كناية عن ان أصحاب الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم يكونون في البداية قليلا، ثم يزدادون ويكثرون. وتوضيح هذه الكناية أو هذا المثل ان التوراة والإنجيل قد بشّرا بمحمد صلى الله عليه وآله وسلّم، ووصفا أصحابه بزرع نما وأينع وكثرت ثماره وفروعه، واشتبك بعضها ببعض، واستقامت على أصولها، وبلغت غايتها من القوة والكثافة يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ (الفتح 29) بحسنه ونموه. وغير بعيد أن يكون المراد بالزراع هنا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلّم ما دام المراد بالزرع أصحابه صلى الله عليه وآله وسلّم لأنه هو الذي رفعهم إلى ما بلغوه من العظمة وعلو الدرجات، وبفضله انتصروا في المعارك التي خاضوها في عهده ومن بعده. وقال سبحانه الزراع ولم يقل الزارع تعظيما لشأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم. نقول هذا على سبيل الاحتمال، وقد سبقنا إليه من قرأ الزارع. وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وأَجْراً عَظِيماً (الفتح 29). المعنى واضح. وتقدم مثله في الآية 9 من سورة المائدة ج 3 ص 26 وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ۙ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (المائدة 9). هل الاثنا عشرية باطنيون؟ نشر الأديب المصري الدكتور مصطفى محمود على التوالي 13 مقالا في مجلة صباح الخير، تكلم فيها عن إعجاز القرآن، وقصة الخلق، وبعض الموضوعات الغيبية، ثم جمع المقالات في كتاب أسماه (محاولة لفهم عصري للقرآن) وطبع ووزع في الشهر الثالث أو الرابع من سنة 1970، وفي مقال (رب واحد ودين واحد) عد المؤلف الشيعة الاثني عشرية مع الفرق الباطنية، وانهم تماما كالبابية والخوارج يفسرون القرآن تفسيرا باطنيا، فكتبت إليه بأن الاثني عشرية أبعد الناس عن هذه البدع والضلالات، وان كتبهم تشهد بذلك، وهي في متناول كل يد، وأرشدته إلى بعضها، والى ما قاله شيوخ الأزهر المنصفين عن الشيعة الإمامية كالمرحوم الشيخ شلتوت، وغيرهم ممن نشروا في مجلة (الإسلام) التي تصدر في القاهرة عن (دار التقريب).
ويستطرد الشيخ مغنية قدس سره قائلا في تفسيره الآية الفتح 29: وفي مساء 5 - 4 - 1970 ارتفع صوت الهاتف، وإذا بالدكتور مصطفى محمود يكلمني من (تريونف اوتيل) ببيروت واجتمعنا لأول مرة، وتحدثنا عن كتابه (اللَّه والإنسان)، وردي عليه بكتاب (اللَّه والعقل) ثم موعد ولقاء ببيتي في اليوم التالي، وكان حديثنا عن الإسلام والباطنية، فقال الأديب المصري فيما قال: (ان بعض الشيعة يفسرون مرج البحرين يلتقيان بعلي وفاطمة). قلت له: هل من العدل والمنطق أن تدان طائفة تبلغ عشرات الملايين بقول واحد منها لا يمثل إلا نفسه؟ وهل من الضروري إذا فسر شيخ آية قرآنية تفسيرا باطنيا أن تكون طائفته باطنية تدين بالتفسير الباطني للقرآن، وإذا فسر أديب مصري بيتا من الشعر تفسيرا رمزيا أن يكون جميع الشعراء وكل من يفسر الشعر في مصر رمزيين. وان للشيعة الاثني عشرية كتبا في العقائد تسالموا عليها وأجمعوا على الأخذ بها، كأوائل المقالات للشيخ المفيد، وقواعد العقائد لنصير الدين الطوسي، وشرحه للعلامة الحلي، وما جاء في شرح التجريد من التوحيد وصفات اللَّه والقضاء والقدر والنبوة والإمامة والمعاد. وكانت تظهر أمامي - وأنا أبحث وأنقب في المصادر - تفاسير باطنية لشيوخ من السنة، فأهملها لأنها لا تلتقي مع تفسيري وغايتي في شيء وحين احتج الدكتور بمرج البحرين فكرت طويلا لعلي أتذكر تفسيرا واحدا من تلك التفاسير لأنقض به قول الدكتور، فخذلتني الذاكرة وأنا في أشد الحاجة إلى مؤازرتهاثم انتقلنا إلى موضوع آخر ومن الصدف اني كنت أفسر سورة الفتح حين جرى النقاش بيننا، وفي اليوم التالي وصلت بالتفسير إلى قوله تعالى: كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ (الفتح 29) وإذا بي أقرأ في تفسير روح البيان لإسماعيل حقي والتسهيل للحافظ بن أحمد الكلبي، وهما من أهل السنة، قرأت فيهما ما نصه بالحرف: كزرع أخرج شطأه بأبي بكر، فآزره بعمر، فاستغلظ بعثمان فاستوى على سوقه بعلي. فانتقل بي هذا التفسير الباطني إلى ما قرأته منذ زمان في كتاب حياة الإمام أبي حنيفة للسيد عفيفي ان السيوطي قال: (ذكر العلماء ان النبي صلى الله عليه وآله وسلّم بشّر بالإمام مالك في حديث: (يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم فلا يجدون أعلم من عالم بالمدينة) وبشّر بالإمام الشافعي في حديث: (لا تسبوا قريشا فإن عالمها يملأ الأرض علما) وبشّر بالإمام أبي حنيفة في حديث: (لوكان العلم معلقا عند الثريا لتناوله رجال من أبناء فارس). وفي الحال اتصلت هاتفيا بالدكتور مصطفى محمود، وقرأت له تفسير الكلبي وحقي، وقلت له: هل تجيزني أن أنسب هذا التفسير إلى جميع السنة واجعلهم والبابيين سواء كما فعلت أنت ونسبت الاثني عشرية إلى ما نسبت لا لشيء إلا لأن واحدا منهم قال ما قال ؟ فما زاد في الجواب شيئا على قوله: (تمام تمام).