الشخصية القوية أم قلة الأدب؟ حين تُخطَف القوّة وتُستبدَل بالوقاحة

الشخصية القوية أم قلة الأدب؟ حين تُخطَف القوّة وتُستبدَل بالوقاحة

في زحمة الأيام، نلتقي بأصواتٍ عالية تُعرّف نفسها باسم (القوّة)، لكنها حين تقترب نكتشف أنها ليست سوى وقاحةٍ ترتدي قناع الثقة، وخشونةٍ تستعير اسم الشخصية القوية.
ليس كل من رفع صوته قويّاً، ولا كل من اقتحم حدود الآخرين شجاعاً، فالقوّة لا تُقاس بحدة اللسان، ولا بعدد الجراح التي نتركها خلفنا ونمضي.
كم من إنسان خلط بين الجرأة والإساءة، وبين الصراحة والسكاكين اللفظية، فصار يتباهى بفظاظته كما لو كانت وسامًا، ويحسب أن تقليل الآخرين دليل رفعة، وأن الاعتذار انكسار.
يتكلم بوقاحة ويقول: أنا صريح، يتدخل في الخصوصيات ويقول: لا أحب المجاملات،
يسخر ويهين ويزعم أنه واضح لا يلتف، ويرفض التواضع لأن الغرور ـ في وهمه ـ علامة قوّة.
لكن… هل القوّة حقًا أن تجرح دون أن تشعر؟
أن تفرض نفسك على حساب كرامة غيرك؟
أن تُسمِع الجميع صوتك وتُصمّ أذنيك عنهم؟
القوّة الحقيقية لا تحتاج إلى مسرح، ولا إلى جمهورٍ مذهول، ولا إلى ضحايا يثبتون وجودها.
إنما القوّة سكونٌ داخلي، ثباتٌ لا تهزه الاستفزازات، وعيٌ يعرف متى يتكلم ومتى يصمت، قلبٌ واسع يتسع للاختلاف دون أن ينكسر.
الشخصية القوية تحترم حتى وهي تعترض، وتسمع حتى وهي تختلف، وتعتذر حين تخطئ لأنها أكبر من الخطأ، لا أصغر منه.
تضع حدودها بهـدوء، لا تصرخ، ولا تُهين، ولا تُهدد، فتُطاع لأنها مُحترمة، لا لأنها مخيفة.
أما الوقاحة، فمهما تلونت تبقى عُريًا أخلاقياً، تترك صاحبها وحيداً محاطًا بفراغٍ بارد، وتبني حوله جدران نفور لا جسور ثقة.
هي تُنتج علاقاتٍ هشة، وبيئاتٍ مسمومة، وتزرع ثقافة يعلو فيها الصوت ويغيب فيها المعنى.
فلنتعلّم الفرق بين أن نكون أقوياء وأن نكون قساة، بين الصراحة والتجريح، بين القيادة
والتسلّط.
القوّة أن تقول الحقيقة بلغةٍ لا تُهين، أن تثق بنفسك دون أن تحتقر غيرك، أن تكون واضحًا دون أن تكون جارحًا.
وحين نُربي أبناءنا على أن القوّة يمكن أن تكون لطيفة، وأن الحزم لا يناقض الأدب، وأن التواضع ذروة الشجاعة… نكون قد وضعنا حجر الأساس لمجتمعٍ تتعايش فيه القوّة مع الرحمة، والثقة مع التهذيب، والصدق مع الجمال.
فهناك فرقٌ شاسع بين التأثير والإيذاء، وبين القيادة النبيلة والتسلّط الفارغ، وبين شخصيةٍ تُلهم وأخرى… تصرخ فقط.