ومضات على شاطىء الانتظار

ومضات على شاطىء الانتظار
 لا ريب أن مسألة التمهيد لظهور للإمام الحجة (عجل الله فرجه الشريف) مسألة مفصلية وجوهرية تحمل في مضمونها ومشروعها النهضة المجتمعية المتكاملة والعادلة للبشرية قاطبة، وفي ضوء ذلك أن جوهر الانتظار هو الاستعداد النفسي والعقيدي والأخلاقي لنصرة الامام الموعود وإزاءه يستحق المؤمن المنتظِر أعلى درجات الثواب والتكريم الإلهي، فقد ورد عن مولانا الإمام الصادق (عليه السلام) لما سأله الراوي: ما تقول فيمن مات على هذا الأمر منتظراً له؟ قال (عليه السلام):« هو بمنزلة من كان مع القائم في فسطاطه، ثمّ سكت هنيئة، ثمّ قال: هو كمن كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم» بحار الأنوار ج52-152
روي عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله أنّه
قال لبعض من كان معه: « سيأتي قوم من بعدكم، الرجل الواحد منهم له أجر خمسين منكم، قالوا: يا رسول الله، نحن كنّا معك ببدر وأحد وحنين، ونزل فينا القرآن، فقال: إنّكم لو تُحمَّلوا لما حُمِّلوا لم تصبروا صبرهم» الأمالي- الشيخ الطوسي ص507 وجاء الحديث في بحار الأنوار ج52-ص130نقلاً عن الغيبة للشيخ الطوسي.
 
مشروع الإمام هو مشروع النور والكرامة والعزة، فقد جاء في نصوصٍ معتبرة ومستفيضة بلغت حد التواتر الذي لا خلاف فيه أن الإمام سيملأ الأرض بالعدل والقسط بعد ما مُلئت ظلماً وجوراً، وإلى هذه العقيدة أشارت الآية المباركة 
 «وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ» (سورة النور: الآية55) فالتمكين من إقامة حكم الله تعالى وتحقيق العبودية الحقيقية يلازم في رتبة سابقة سقوط جميع مشاريع الاستكبار الطاغوتية، كما أن ظاهر الآية وعدت بالبشارة الكبرى لجميع المؤمنين وهي القضاء على أسباب خوفهم واستضعافهم وإبداله بالأمن والعزة (وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا) ومعلوم أن مسألة الأمن والعزة ذات مراتب نسبية متفاوتة لكن المصداق الأتم لها والأوسع قطعاً في زمن الظهور الشريف، ومما يعطي دليلاً في الحاجة الملحة والأكيدة لظهور الإمام المخلّص 
  أن مشاريع الاستكبار بجميع تنوعاتها وتشكيلاتها اثبتت فشلها وخطلها، وأنّها غير قادرة على إدارة نظام عالمي عادل، بل برهنت من خلال وقائع عديدة وملموسة أنّها مشاريع خراب وانتهاك،
إذ أنها تسير في قيادة البشرية نحو الهاوية، وفي طريق مجهول محفوف بالمخاطر والأشواك المهلكة؛ وبهذا ينحصر طريق النجاة من خلال التمسك بعقيدة الانتظار على خطى المرجعية الدينية الرشيدة؛ فالإمام المنتظر الحجة بن الحسن (صلوات الله عليه) هو الأمل الموعود للبشرية، ونور الأرض وعين الحياة، معز المؤمنين وناصر المظلومين والمستضعفين، ومما ورد في جملة من النصوص الروائية أن الانتظار من أفضل الأعمال والطاعات المرضية.
 
يكون الاستعداد للإمام بعدِّة أمور:
 
١-الثبات في الدين ويترجم من خلال بوصلة ثلاثية مترابطة من خلال العقيدة الصحيحة، والعمل الصالح والوعي الصحيح العارف بشؤون الزمان. في الدعاء: اللهم ثبت على قلبي على دينك .
 
٢-مجاهدة النفس، النفس مجموعة من الغرائز والقوى تكون استقامتها من خلال اتباع معيار الشرع والعقل، وهذا المعبّر عنه في الحديث النبوي «بالجهاد الأكبر» وذلك من خلال صيانتها وحمايتها من الانحرافات والشبهات والمغريات والفتن .
 
٣- اتباع سيرة ومنهج أهل البيت في القول والعمل فقد جاء في وصاياهم: كونوا  لنا زيناً ولا تكونوا عليناً شيناً، فعن جَابِر عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الباقر: ( عليه السَّلام ) قَالَ : قَالَ لِي : يَا جَابِرُ أَ يَكْتَفِي مَنِ انْتَحَلَ التَّشَيُّعَ أَنْ يَقُولَ بِحُبِّنَا أَهْلَ الْبَيْتِ فَوَ اللَّهِ مَا شِيعَتُنَا إِلَّا مَنِ اتَّقَى اللَّهَ واطاعه) الكافي ج1-ص74
 
ثمّة سمات بارزة الواجب أن يتحلى بها المؤمن المُنتظِر في عصر الغيبة وهي ملازمة الصدق في أعماله وأقواله والأمانة والتقوى والعفة عن الحرام والشبهات، والعمل بشكل مستمر ودؤوب لكسب رضا الإمام (عجل الله فرجه)، ومن الواضح وفقاً لما تقدم أن مشروع الإمام هو مشروع السماء الحق الذي وعد الله به البشرية- بشكل محتوم- لإنقاذها من خطر الظلم والضياع والمتاهات الفوضوية المهلكة. في الختام نسأله تعالى تعجيل الفرج الشريف، وأن يجعلنا من أنصاره وأعوانه، ويرزقنا خيره ورضاه أنه سميع مجيب الدعاء.