منذ رجوعه للبيت الأبيض يَعدُ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نظاماً عالمياً جديداً يشمل أغلب دول العالم ومنها دول الشرق الأوسط. يُعتَبر وزير خارجيته ماركو روبيو (هنري كيسنجر العصر) عرّاب النظام العالمي الجديد.
والعراق ليس بعيداً عن رؤية ترامب الجديدة. فمؤخراً خرجت تسريبات هنا وتصريحات هناك بأن الإسلام السياسي في العراق وخلال عقدين من الزمن فشل بإدارة البلد، رئيس وزراء ضعيف، برلمان مشلول وحكومة أزمات.
دستورياً، يُعتَبر العراقُ بلداً فيدرالياً، ومقتضى النظام الفيدرالي هو تشكيل برلمان لكل إقليم مع اعطائهم صلاحيات تشكيل حكومات لإدارة شؤونها واحتفاظ حكومة المركز بالسلطات المتعلقة بالسياسة الخارجية والدفاع والمالية.
قد يكون هذا النظام الأمثل لبلد كالعراق، لكن من الصعب تحقيقه مع وجود المحاصصة الطائفية والقومية و التوافقات السياسية والتي أعاقت تشكيل الحكومات و أدخلت العراق في نفقٍ مُظلمٍ، من ضعفٍ بالخدمات الى إنتشار الفساد والمحسوبية، فضلاً عن إنه سيكون عامل لتكريس تقسيم البلد.
من هنا وجدت الولايات المتحدة الأمريكية بإعتبارها الراعية للعراق، نفسها في حرجٍ أمام المجتمع الدولي وهي ترى العراق يتهاوى يوماً بعد آخر.
فقد قال مبعوث ترامب إلى سوريا ولبنان، توم باراك، بأن النظام الجمهوري للعراق هو الأنسب مع توزيع المهمات على الأقاليم السبعة! كل اقليم له حكومته وبرلمانه وإدارته و جيشه و مدارسه، لا يرتبط بالمركز الإ في توزيع الاموال، كما فعلت امريكا بيوغسلافيا، حيث جعلته أقاليم ستة تحت نظام فيدرالي، ثم بعد الحروب الطاحنة فيما بينها، استقلت تلك الأقاليم لتصبح دولاً.
إذا كان ما صرّح به توم باراك هو المفهوم الجديد للعراق، فهذا يعني أن العراقَ مقبلٌ على إعادة تنظيمه أمريكياً، لكن الغموض في كلام المبعوث هو: منْ هي الأقاليم السبعة؟
يبدو أن الرؤية الأمريكية الجديدة في شمال العراق هو تقسيمه إلى إقليمين؛ اقليم للحزب الديمقراطي الكردستاني في أربيل و الآخر للاتحاد الوطني الكردستاني في السليمانية. المنطقة الغربية الممتدةٌ إلى الموصل ستكون إقليماً، بالإضافة إلى إقليم بغداد. وهناك ثلاثة أقاليم أخرى لم يوضِح المبعوث الأمريكي معالمها.
ضمن هذه الرؤية، هل إنتقل العراق إلى المرحلة الثانية لما بعد الأحتلال؟
نستطيع القول نعم، فالولايات المتحدة الأمريكية ساعدت في فشل المكون الأكبر في إدارة البلد، حيث تركت الأحزاب الحاكمة تعبث بمقدراته، وساهمت في إضعافه، حتى أوصلت الشعب العراقي الى أن يفقدَ ثقته بقادته، مما يمهد الطريق للمرحلة الثانية.
السؤال الأكثر إلحاحاً هو: هل تستطيع الولايات المتحدة أعادة تشكيل العراق، مع وجود قوى فاعلة فازت بالانتخابات الأخيرة وتعارض السياسة الأمريكية؟
منذ عقدين من الزمن، تراقب واشنطن وتُسجل خروقات الاحزاب الحاكمة، وخاصة في ملف الموازنات والسرقات التي اقترفتها الأحزاب و ما قامت به اللجان الأقتصادية من سُرِقت أموال العراق لصالح أحزابها، مما ساعدها على إنشاء بنكٍ من البيانات تُدين الأحزاب الحاكمة. لذلك فقد يكون من السهولة تنفيذ المرحلة الثانية، بفتح ملفات الفساد المالي والإداري ضد الأحزاب الحاكمة.
تتوعد إدارة دونالد ترامب بنشر ١٠٠٠ إسمٍ من الوزراء السابقين والحاليين، نواب سابقين وحاليين، مدراء عاميين سابقين وحاليين، بأنهم سيخضعون لعقوبات أمريكية قاسية. الملفت للنظر هو أن بعض هؤلاء الشخصيات بدؤوا بالتواصل مع الجانب الأمريكي لتسوية ملفاتهم. سنرى إختفاء بعضهم مقابل رفع أسمائهم من قائمة العقوبات، و آخرون سيرحَلون إلى وجهات غير معلومة، والبعض الآخر سيعتزل السياسة، مما سيمهد الطريق لمرحلة فرض سياسة أمريكية جديدة يكون الإسلاميون بعيدين عن الحكم، و يُعطى دورُ للعلمانيين في ادارة العراق.
أما البرلمان الحالي ونتائج الانتخابات فلا قيمة لهما عند الجانب الأمريكي. نجاح القوى المعارضة للسياسية الأمريكية في الانتخابات الأخيرة لم يعُدْ من اهتمامات واشنطن، رغم علمها بحصول تزوير واسع النطاق فيها، بل هذا سيساعدها لتكون ورقةَ تسويةٍ مع هذه القوى.
كما أن رسائل المبعوث الأمريكي للعراق إلى قادة الكتل السياسية بعدم أحقية العراقيين في تحديد شخصيات للوزارات المهمة تدخلُ في سياق خطة واشنطن التي دخلت مرحلة التنفيذ.
صَنَعَ الرئيسُ الجمهوري بوش الأبن رجالاً من القش، وعلّق حول اعناقهم حبال الإعدام في المرحلة الأولى، حتى جاء الجمهوري ترامب ليبدأ المرحلة الثانية في تنفيذ حكم الإعدام بقادة الأحزاب ليذرها في سماء تاريخهم الأسود. هكذا يُراد للعراق، بلد ليبرالي علماني يُقصي الإسلاميين من إدارته. ذنبٌ أقترفه بعض قادة الشيعة من السياسيين، لن يُكفّر عنهم حتى يردون جهنم وبئس المصير.