وقف طيرٌ يوماً مدهوشاً على صخرة صغيرة غارقة في رمال الشاطئ المبلل بماء البحر لا يظهر منها إلا القليل، قدر رجله الصغيرة.
أخذته أفكاره بعيداً، هذا البحر الكبير، والماء الغزير، والأمواج العالية، والسماء الزرقاء الصافية، قال لنفسه:
- أنعم الله علي بهذا البحر الكبير العظيم، أغرف منه ما أريد وقتما أريد، ولكني لا أعرف أسراره أحبه ويحبني، أشعر بالانتماء له جداً، ولكن مهما حاولت التقرب منه والغوص في مكوناته لن أبلغ القليل من أسراره.
لكنه في داخلي، أحتضنه بكل أبعاده..
يحيطني في الخارج، ويحبني ويعتني بي.
كم أحب هذا البحر..
زهراؤنا بحر أسرار، وأسرار بحر بكل ما يحوي من لؤلؤ ومرجان ومكنونات أخرى.
داخلنا ممتلئ بها وخارجنا كل عالمنا..
زهراء.. اللغز الحائر في دواخلنا كيف يدلنا عليك ونحن الحائرون، كيف نحلُّه...؟
كيف نعشقك ولا نستطيع الغور في متشابكاتك؟
التفاحة المعجونة بالجنة، والنور الهابط من السماء، والصاعد إليها في ليل العبادة الطاهر المضيء بك..
أيتها (الألم المقدس) كلما ردَّدنا اسمك سمعنا صدى الآهات من أعماق بئرنا المعطَّلة، حتى يأتي من يظهر أسرارك..
معرفتنا بك قاصرة أيتها المقدسة..
نحاول أن نتقرب من ضوئك، نحن فراشاتك العاشقة لم نتردد من التحليق حول وهجك..
كان اقتراباً لذيذاً، دافئ.. فهلا أخبرتنا عن سرَّ هذه اللذة يا سيدة الضوء...؟
سرٌّ مكنونٌ أنتِ، لؤلؤة الأعماق، لا يسبر نورك غير محمد وعلي (عليهما السلام)، لكنك في أعماقنا نحافظ عليك من جور العالم الخارجي ونحافظ على أنفسنا بك..
وجه الله أنت الذي يتوجه إليه الأولياء، أنت من يوجهنا له، ونخاطبه بك.
يا رحى الكون حيثما دار عاد لك.
فُنيتِ في الله حتى التحقت بك صفاته، (أ ليس الحديدة المحماة تأخذ كل صفات النار التي انتقلت إليها لطول بقائها فيها)؟
(إنها - أي الزهراء - موجود ملكوتي ظهر في العالم في صورة إنسان، بل هي موجود إلهي جبروتي ظهر في صورة امرأة.
جميع الهويات الكمالية المتصورة في إنسان موجودة فيها، وفيها جميع خصائص الأنبياء).
يجب أن نتحدث عن الزهراء بلغة غير اللغات المعروفة.. لغة خاصة بها فقط.. لأنها الزهراء.. فلنتحدث عن غيبياتها بكل وضوح ولا نراوغ..
عظمة الزهراء عظمة محورية (بحق فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها والسرِّ المستودع فيها)
معرفة الزهراء هي الطريق إلى معرفة الله، وأي خلل في معرفتها يؤدي إلى خلل في المعتقد..
المرتضى والزهراء عليهما السلام يأتيان في الدرجة الثانية بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأمير المؤمنين نفس رسول الله وفاطمة بضعة منه وروحه التي بين جنبيه..
ما سرُّ هذه العظمة؟
هي ببساطة القرب من الله عز وجل، فعندما يطيع الإنسان الله فهذا عاقل، وعندما يعصيه فقد خرج من دائرة العقل، ومن لا تعرف من سيرته إلا الطاعة الأتم فهذا العاقل الأتم، وأقرب الناس إلى الله (عبدي أطعني تكن مثلي أقول للشيء كن فيكون) (وما رميت إذ رميت، ولكن الله رمى)
هنا نصل لسّرِّ (إن الله يرضى لرضى فاطمة) فلنفهم، (وأية امرأة هي فاطمة؟
يكاد من يراها ببصره وبصيرته، بعينيه وقلبه، يحسبها مثالاً منحوتاً من نور..
حورية هبطت من دنيا الحوريات لتجوس في الأرض عدد سنين).
وهي التي زهرت من نور غرَّ تها بعد الظلام العلا فالسبع مزهره
ما سرُّ العلاقة بين الزهراء والنور الإلهي؟
هل كانت نوراً قبل أن يخلق الله الخلق؟
نعم الروايات كثيرة في ذلك.. نجد في الزيارة الجامعة "خلقكم الله أنواراً، فجعلكم بعرشه محدقين"
وسئل الإمام الصادق عليه السلام لمَ سميت فاطمة الزهراء زهراء؟ فقال (لأن الله خلقها من نور عظمته فلما أشرقت أضاءت السماوات والأرض بنورها وغشيت أبصار الملائكة وخرَّ الملائكة ساجدين..)
(يا ابنة المصطفى، يا ابنة ألمع جبين رفع الأرض على منكبيه، واستنزل السماء على راحتيه، عشتِ الكِبر في انتساب الكبر إلى سماواته، فهانت عليك الأرض يا عجينة الطهر والعبير، ولم تبتسمي لها إلاّ بسمتين: بسمة في وجه أبيك على فراش النزاع يعدك بقرب الملتقى، وبسمة طافت على ثغرك وأنت تجودين بالنفَس الأخير).
……………..
المراجع:
١- في محراب فاطمة عليها السلام / الشيخ حسين كوراني.
٢- فاطمة الزهراء وترٌ في غمد / سليمان كتاني.
٤- فاطمة حورية الأرض / كمال السيد.
٣- الموسوعة الشعرية الكاملة للعلامة الجشي.