العاشرَ منْ كانونِ الأولِ تأريخ لا يشبهَ غيرهُ

   في ليلٍ حالك، اقتحمَ مدينتنا، جمعُ منْ الوحوشِ الذينَ تستروا بعباءةِ الدين، ليبثوا النارَ والخرابَ في المدينةِ وأهلها في ليلةٍ سوداءَ قاموا بتقييدِ بناتِ الحيِ بالسلاسل، وكأنَ الزمنَ عادَ ألفُ عامٍ إلى الوراء، ليخدعوا بعضَ الشيوخِ والشبابِ بشعاراتِ يدعونَ أنها منْ تعاليمِ الإسلام، والإسلامُ منهمْ بريء. بعدٌ تسلطوا على أهالينا في بعض مدننا لبضع سنواتٍ ، وخلالها أذاقوهمْ صنوفَ العذابِ والجوعِ والقتل. واضطرَ البعضُ إلى مهادنتهم، إما خوفا على أسرهم،  أوْ بدافعِ الحقدِ على  الذين قبلهم . هنا نهض أبناءُ ( الملحَة ) متوكّلين على الله أولًا وقبل كل شيء، مستمدّين العزم من رسول الله صلى الله عليه واله، وأهل بيته وأصحابه الأطهار في تضحياتهم، وشجاعتهم من الحمزة بن عبد المطلب (ع) الى سيّد الشهداء الحسين (ع) ، ليطهّروا مدن العراق من رجس الشياطين. وليتقدّموا بصولةٍ جهاديةٍ واحدة، بقلوبٍ وأيادٍ متماسكة، وبإسنادٍ من المرجعية الدينية بفتواها العظيمة، ودعمٍ من فقهاء وعلماء العراق الغيارى في مساجدهم.
لقد توحّد الجميع تحت راية "الله أكبر"، وانقضّوا على تلك العصابات المجرمة حتى تحوّلت ـ لعنها الله إلى جيف تملأ الأزقّة والشوارع في المدن المحرَّرة. وهكذا عاد السلام إلى بلد السلام، إلى مدينة أم الربيعين وشقيقاتها الأخر، فها هو المسلم يعود من جديد، ليفتح ذراعيه ليحتضن أخاه المسلم، والمسيحي، والصابئي، والأيزيدي، والشبكي، وكل فسيفساء الوطن، ليشكّلوا، لوحة هذا الوطن البهيّ. لقد عاد أبناء العراق—على اختلاف أديانهم وأطيافهم—يستظلون بظلّ وطن واحد، ويتقاسمون الهمّ والأمل والحلم ذاته.
في العاشرِ من كانونِ الأوّلِ من كلِّ عامٍ، لا يمرُّ اليومُ مرورًا عابرًا، فذكراهُ سامقةٌ وعميقة. نقفُ فيهِ وقفةَ وفاءٍ وإجلالٍ، صغارًا وكبارًا، نستحضرُ التضحياتِ الجليلة، ونُحيي في الذاكرةِ دماءً طاهرةً لولاها ما أشرقتْ أنوارُ مدنِنا وشوارعِنا وأزقّتِنا، ولا ارتسمتِ البسمةُ على وجوهِ أطفالِنا، ولا عادَ الإعمارُ إلى أمِّ الربيعين وأخواتها. إنّهُ يومٌ للرحمةِ والامتنان، ولتجديدِ العهدِ بأن تبقى تلكَ التضحياتُ حيةً نابضةً في الوجدانِ والذاكرة.  
  لوْ استلهمنا منْ العاشرِ منْ كانونِ الأول، بعضُ القيمِ والمبادئِ وروحِ التضحيةِ التي تجلتْ في ميادينِ القتالِ منْ أجلِ تطهيرِ مدننا، على يدِ شبابنا وشيوخنا، لواصلنا طريقِ الوحدةِ الوطنيةِ ولتجنبنا كلُ أشكالِ الانقسامِ والتشرذمِ القوميِ والطائفي، فالدماء، التي رويتْ بها الأرضُ كانتْ كلها حمراء؛ لا يختلفُ فيها دمُ العربيِ عنْ الكردي، ولا الشيعيِ عنْ السني، ولا التركمانيِ عنْ الشبكي. كلها دماءٌ طاهرةٌ زكية. 
 ونقول آخراً، قول سبحانه وتعالى: (ولا تحسبنَ الذينَ قتلوا في سبيلِ اللهِ أمواتا، بلْ أحياء عندَ ربهمْ يرزقون) صدقَ اللهُ العظيم.

thumb_1617012420d28594e5b04aafc8b60737af82cdae53.jpg