في رحلتنا عبر آفاق حديث الكساء تعرض لنا محطات حري بنا التأني عند أعتابها، حيث تستوقفنا عرائس كلماتها التي تزدان برونق غريب، لافتة شعاع الأنظار لتطيل تفحصها في ذلك الجمال الذي لا يشابه فكرا بشريا، فتدفعه ليتغور في أعماق محيطاتها ليستخرج ما سنحت له طاقته الترابية من لآلئ ذلك المكنون.
ومن تلك المحطات العالقة في الذهن كلما مررنا بحافتها حيرتنا في مضامينها، كيف يكون؟ وما السبب ؟:
قالت الزهراء "سلام الله عليها" في سردها لأحداث حديث الكساء بعد أن اكتمل عدد من اختار الله واصطفى ليكونوا فقط وفقط تحت هذه العناية المختارة من صفوة خلقه:
" فَقَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا مَلاَئِكَتِي وَيَا سُكَّانَ سَمَاوَاتِي إِنِّي مَا خَلَقْتُ سَمَاءً مَبْنِيَّةً وَلاَ أَرْضاً مَدْحِيَّةً وَلاَ قَمَراً مُنِيراً وَلاَ شَمْساً مُضِيئَةً وَلاَ فَلَكاً يَدُورُ وَلاَ بَحْراً يَجْرِي وَلاَ فُلْكاً يَسْرِي إِلاَّ فِي مَحَبَّةِ هٰؤُلاَءِ الْخَمْسَةِ ٱلَّذِينَ هُم تَحْتَ الْكِسَاءِ، فَقَالَ ٱلأَمِينُ جِبْرَائِيلُ: يَا رَبِّ وَمَنْ تَحْتَ الْكِسَاءِ؟"
(فقال الله عز وجل، فقال الأمين جبرائيل)
لو وضعنا تساؤلا: من الذي نقل قول الله عز وجل؟ ومن الذي نقل قول جبرائيل؟
فسوف تكون الإجابة: هو راوي الحديث.
ومن هو راوي الحديث؟
فسوف تكون الإجابة: هي السيدة فاطمة الزهراء بنت نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
هنا سوف تذهل الأذهان؟
إنه قول الله، وقول جبرائيل، وقول الله لا يسمعه سمعا مباشرا إلا نبيا مقربا أو ملكا مرسلا! فكيف سمعته فاطمة بدون واسطة وهي ليست ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا حتى يوحى إليها فتنقل ما أوحاه الله لها بشكل مباشر!
فما هو معلوم عندنا أن الوحي صنفان:
أحدهما رسالي أُختص به الأنبياء والرسل، والآخر غير رسالي.
والصنف الثاني: قرأناه من ضمن آيات كتابه العزيز:
{وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} (النحل :68)
{وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} (7: القصص)
{فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَ} (12: فصلت)
كل ذلك وغيره من الآيات التي تحدثت عن الوحي في القرآن، الغالب فيه أن يكون: إلهاما أو تكوينا أو فطرة.
أما عبارة:
"قال الله عز وجل: يا ملائكتي ويا سكان سماواتي..." تنتمي إلى الصنف الأول (الوحي الرسالي)
وأن يكون حديثا مباشرا من ساحة الجلالة، وبدون وسيط؟!
هذا لا يحدث إلا مع نبي مرسل مختار مصطفى فقط وفقط.
ونرجع إلى نقطة البدء.
من الذي نقل هذا القول عن الله تعالى ثم عن جبرائيل في الجملة الأخرى: " فقال جبرائيل...."؟
فلا جواب غير أن القائل هو فاطمة بنت محمد.
كيف حدث ذلك؟
ولماذا؟
هل لأنها محدثة؟
لا.. فالمحدث تحادثه الملائكة بحديث الله تعالى، لكنها نقلها قول جبرائيل سلام الله عليه إلى ربه، لكن فما تعليل هذا الأمر و بدون وسيط؟!
فالزهراء نقلت مباشرة عن الله عز وجل، ولم ينزل عليها وحي بذلك، هذا من جانب.
ومن الجانب الآخر كذلك واللافت للنظر أنها لم تتريث هنيئة من الزمن لتستحضر الحدث الذي يتلو حدث اكتمال اجتماعهم المبارك، حتى نقول أنها أُلهمت فقالت!
لا.. بل جاء السرد مباشرا متتابعا "فقال الله عز وجل".
لو تأملنا قليلا أن العبارة بُدِئت بفاء التعقيب، وماذا تعني هذه الفاء؟
تعني أن قول الله "عز وجل" صار بعد اكتمال العدة المباركة مباشرة بدون فاصل.
كيف سمعت قول الله تعالى لملائكته ولسكان السماوات كلها؟
تعني أنه لا حجاب بين فاطمة وبين ربها!
فبحق من خلق فاطمة، من أنت يا فاطمة؟؟!!
هي حوراء أنسية، لكن ليس ككل الإنس ولا ككل الحور.
من أنت يا حجة على جميع حجج الله على خلقه؟!
من أنت يا ليلة القدر التي استعصى دركها عن أفهام البشر وغير البشر؟!
من، ومن، ومن......؟
تساؤلات تبقى معلقة في ذاكرة الفقير الموالي.
لكن تعلقها يحفر في وجدانه الاندكاك في ذات المولى "عز وجل" ثم التشبث بحبل ودها والاستموات لنيل رضاها.
فيا مولاتي يا فطمة بنت محمد: إنا توجهنا واستشفعنا وتوسلنا بك إلى الله وقدمناك بين يدي حاجاتنا، يا وجيهة عند الله، اشفعي لنا عند الله.
