شَذَراتٌ في حَضْرَةِ الفَقْدِ

 بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)
صَدَقَ اللهُ العَلِيُّ العَظِيمُ
شَذَراتٌ في حَضْرَةِ الفَقْدِ
عادل علي عبيد

مُنذُ سُقوطِ تِلكَ الآلَةِ الجُلمودِيَّةِ الظّالِمَةِ على أضلاعِ وَلَدِكَ (سَيفٍ)، وأنتَ تُعَمِّدُ تَأريخَ مِحْنَتِكَ بِالأَسَى، وَتُهَشِّمُ ما تَبَقّى مِن أضلاعِكَ في حَضْرَةِ ذلِكَ الفَقْدِ. هكذا انْطَلَقَتْ رِحلَةُ الرِّثاءِ السَّرْمَدِيِّ، وتلكَ القَصيدَةُ الخَنّاسِيَّةُ الطَّويلَةُ، الّتي أَعْتَرِفُ أنّها أَزاحَتْ عَن كاهِلِ النُّقّادِ الغَوْرَ في ذاتِكَ الشِّعْرِيَّةِ، لِيَضَعوكَ في خانَةِ البُكّائِينَ. بل أَعْتَقِدُ جازِمًا أنّها القَصيدَةُ الوَحيدَةُ اليَتيمَةُ العُصْماءُ الّتي عاشَتْ مَعَكَ وَعِشْتَ مَعَها، لِتُفجِعَنا بِهذَا الوَداعِ المُفاجِئِ الّذي لَم يَتْرُكْ فُسْحَةً لِلحُضورِ.
نَعَم، ففي لَحظَةِ الموتِ، عِندَما نُواجِهُ سَطوَةَ الخَبَرِ، وَوَقعَتَهُ، نَتَخَبَّطُ في دائِرَتِهِ، ونُوغِلُ في حِيرَتِهِ، ويَعتَرينا هُدوءٌ قَلِقٌ، وتَحُلُّ عَلَيْنا سَكينَةٌ مِن الصَّخَبِ الّذي تَتكَفَّلُ بِهِ العُيونُ المُرتَجِفَةُ المُرتَبِكَةُ... ونحنُ نُبَحْلِقُ بلا هُدى في كُلِّ الأماكِنِ، ونَجْهَدُ كَيْما نَجِدَ ضالَّةَ الجَوابِ الّذي يُغادِرُنا.
عَجيبَةٌ تِلكَ اللَّحظَةُ المَشوبَةُ المُتَخَمَةُ بِالأَسئِلَةِ والأَجوِبَةِ الّتي تُشابِهُ تَوَالِي السِّياطِ على الهاماتِ. هي ذاتُ اللَّحظَةِ الّتي شَعَرتُ بِها بَعدَما أَخبَروني بِرَحيلِ عامِرِ السَّعدِ وعبدِالعزيزِ عَسيرٍ؛ هي نَفسُها الّتي تَلَقّيتُها مِن أحمَدَ النَّجمِ الخَفّاجي، وهو يُعَزِّزُ عَلَيَّ وَقعَةَ الحَدَثِ في ظِلِّ تِلكَ الصُّورَةِ الضَّبابِيَّةِ البَهيمَةِ الّتي تَجعَلُكَ تَضَعُ هذا العالَمَ الفَسيحَ في قَعْرِ فِنجانٍ.
يا لِسِرِّ تِلكَ القُبورِ الّتي شَقَقْنا أَنْفاقَها، ونَقَشْنا آثامَنا على جُدرها العَذْراءِ الخالِيَةِ مِن الصَّدْعِ والخَدْشِ! وهي تَجتازُ وتَتَعَدّى مَرحَلَةَ التَّقولاتِ؛ إنّها تُؤلِّفُ حالَةً مِن شَكلِ الحِجارَةِ المَنضودَةِ، لِتَستَقِرَّ في تِلكَ الدَّهالِيزِ البَعِيدَةِ، والغِيرانِ المُوحِشَةِ، فلا تَشْفَعُ لَها تِلكَ المَحارِيبُ، التَّماثيلُ، المَسَلّاتُ، ورُقُمُ الطِّينِ المَفخورُ... الّتي تُحاوِلُ أن تُغَرِّدَ لِكَآبَتِنا فَتُطرِبَها، على الرَّغمِ مِن تِلكَ الأَصواتِ الرَّخيمَةِ المُتَحَشْرِجَةِ، وانحِسارِ اصطِبارِنا على القَضاءِ الّذي لا بُدَّ مِنهُ، وضِيقِ الفَضاءِ.
وبَعدَما انطَوَتْ صَحائِفُنا الصُّفرُ البالِيَةُ، الّتي اختَبَأَتْ في الغِياضِ والأَدغالِ، واسْتِغاثاتُ أَرضِنا العَطْشَى الّتي حَلَّ بِها الجَدْبُ، وآبارُنا الّتي استعمرَها الجَفافُ، ومَساحَاتُنا المُمتدَّةُ الضَّيِّقَةُ الّتي لَم تَرتَوِ مِن مَشاهِدِ الحَياةِ... على الرَّغمِ مِن قَتامَةِ المَرْأى القَريبِ.
ثمّ نَحْثُّ النَّظَرَ إلى اسْتِجماعِ كُلِّ المُتَغَيِّراتِ: الصُّوَرِ، العَواصِفِ، الأَنواءِ، الحَرِّ، البَردِ، الزَّمْهَريرِ، الخَرنوبِ الغَضِّ، العاقولِ المُدمى، الحَمْضِ المُلوَّثِ، حَفيفِ الأَوراقِ، وتَوَقُّلِنا في تِلكَ الصَّخرَةِ المُخضَرَّةِ في عَلالي الأُفُقِ، ونحنُ نَلْتَمِسُ الرّاحَةَ الأبدِيَّةَ والسَّكينَةَ السَّرْمَدِيَّةَ.
الحَياةُ إحدَى تَجَلِّياتِ المَوتِ. هذا ما نَعرِفُهُ في لَحظَةِ استِسلامِ النَّفَسِ الأَخيرِ. وقد تَتَضاءَلُ رَهْبَةُ الموتِ أمامَ المَوتِ؛ لا عَجَبَ! ذلكَ اللُّغزُ المُتَجَدِّدُ الّذي لَم يَصِلِ الفلاسِفَةُ والعُرَفاءُ والنُّسّاكُ إلى كَنهِه، ولا الأُدباءُ والشُّعراءُ والنُّقّادُ إلى حَقيقَتِه. تِلكَ — سَيِّدي — إشكالِيَّةُ الوُجودِ، وسِرُّ تِلكَ الأُفعَى الّتي سَرَقَتِ العُشبَةَ الخالِدَةَ مِن مَملَكَةِ ذلِكَ البَطَلِ الأُسطورِيِّ الّذي أَفنى حَياتَهُ وهو يُمَنِّي النَّفسَ بالبَقاءِ.
الآن يا أبا سَيفٍ... نِلتَ مُرادَكَ، وتَحَقَّقَ حُلمُكَ، وتَجَسَّدَ نَشيدُكَ، لِتَجْتَمِعَ بِسَيفٍ؛ فَاهْنَأْ بِهِ، وَلْيَهْنَأْ بِكَ.
صَحيحٌ ما قالَهُ محمودُ دُرويش:
(المَوتُ لا يُوجِعُ المَوت المَوتُ يُوجِعُ الأَحياءَ)
رَحِمَ اللهُ عَلِيًّا الهَمّامَ الّذي كانَ يُهاتفُني ليلًا لِمُدَّةِ ثَلاثِ ساعاتٍ او اكثر ، وحِينَ أقولُ له: أنتَ مُتَقاعِدٌ عاطِلٌ، وأنا مُتَقاعِدٌ عامِلٌ! يَضحَكُ ويقولُ: بِسمِ اللهِ... لِلتَوِّ بَدَأنا .

الموت.jpg