نصير السواتر

نصير السواتر


يبدو للاشياء الجميلة إمكانية أن تستبدل هويتها / ملابسها وزمانها ومكانها ومعناها ، أرى أجمل ما في الحياة ذكرى شهيد ومقبرة وحزن ،
أخي كاظم ... اشكرك جدًا لأنك أنرت حياتي 
سؤال مؤلم تركته يمتلكني بعد رحيلك ويكابدني ليل نهار ( كيف عاشت مولاتي زينب عليها السلام بعد أخيها الحسين؟)  ولكل عاشوراء حكاية 
لم يكن قرار التحاقك للجبهة قرارًا عاديًا، بل خطوةً نحو قدرٍ رسمته بنفسك ... لهذا كنا أمام قرارك نشعر بالفرح، فرح الإيمان ( لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا )وما بين الخوف والإيمان كانت أمي تدعو الله بالنصرة 
- "روح الله  ينصركم بحق الحسين يا يمه "
اليقين عالم أكبر من الحياة ،فرأيت أمي كأم وهب رضوان الله عليها 
أنا أعرف أن إيمانك بالقضية يجعلك ترى كل الجبهات كربلاء، لا تحلم بقتل أحد بل تسعى لتحصين الآمان، وأعرف أنك اخترت العمل بالجهد الهندسي لتفكيك العبوات الناسفة ،عشقت مهمتك فبرعت بها وتوليت أمر تدريب المجاهدين على تفكيك العبوات الناسفة...

لم يكن ذهابك حدثًا عابرًا، بل بداية فصلٍ جديد لأسرتنا كلها. منذ ذلك اليوم صارت الأخبار القادمة من الجبهات خبزنا اليومي ، والانتظار دربنا الطويل ، والدعاء حبل النجاة الذي نتشبث به في ليالي القلق كلما اجتاحت المخاوف قلوبنا جميعًا  ، كان خوفنا عليك تارة .. وعلى مصير الوطن تارةً أخرى ، ولكنك كنت تطمأننا الوطن بخير و تطلب منا الدعاء ،هل ممكن للجبهات ان تنسيك أهلك وناسك ومدينتك واصدقاءك، .
صارت ساحاتُ الجهادِ إلأنس لك و الرصاص صُحبَة، وأنا أعرفك تزهد بنفسك في سبيل الحق .
أخي كاظم،، المواكب الحسينية تذكرك بخير والمنابر تنتظرك منشدًا حسينيًا له وزنه.
 حين تقلق أمي (الله يستر) كأنها تعيش معك وتعرف ما تعانيه ساعة الشدة، حتى لو طمأنتها بنفسك، كل يوم يمر هو بمثابة طف من الأحزان ومع هذا الحزن شعور بالفخر ، يقول لي إياك أن تنسي يومًا ابتسامك ،ومن المؤلم أن يكتشف  أخي حسن إنك تخفي أوجاعك عنا ، مصاب تعاني ألم الإصابة وحدك؟ إلا تدري أن هذا الأمر يؤلمني ،عرفت من حسن إنك تعرضت للاصابة في منطقة الزورة  في ٢٧ /٦ /٢٠١٥ قرب سامراء بعد التحاقك بيوم، والأكثر وجعًا لقلبي حين عرفت أنها لم تكن الإصابة الوحيدة ،كم أنت طيب يا أخي  تقسو على نفسك من أجل أن لايمسنا حزن ،وهذا هو لوحده جهاد، أن تدفع الحزن عنا.
كنا نبحث لك عن بنت الحلال لنفرح وواحلم ان تستقبلك بالهلاهل أمي. 
وإذا بالموبايل  يحمل صوت استغاثة الشهداء، نريد  تأمين الطريق  حتى نطلع الشهداء ، العوائل تريد ولِدها! ـ  منتظرينك... 
أنا أدرك أن سرد الحكاية يستنهض الألم  لكن لامعنى لوجودي دون هذا الألم ، وأمي خبيرة الأحزان وعرافة الوجع ، كان قلبها يحمل أشياء قلقة وكأنها تقول لي عانقي أخاك فانه الوداع الأخير ، هل قلوب الامهات تعلم يا كاظم؟تعانقه وهي تقولها بلهجتها الدامية 

( يمة گلبي ما مرتاح )ومع هذا ليس أمامها سوى أن تقول يرجعك الله لنا بالسلامة
حدثنا آمر الفوج في زيارته الأخيرة للاطمئنان على وضعنا قال كان كاظم ممن يعتمد عليهم في تفكيك العبوات الناسفة رغم خطورةِ هذا العمل وحتميةِ الموت عند اقل خطأ يحصل إلا أنه تميز و عُرفَ باتقانِه  ، فـ" ابو زينب " - كما يُسموه -  أولُ اسمٌ يُنادى به في سريَته  عند تطهيرِ أي منطقة من مخلفات ذلك التنظيم ، فلا عجبَ من استدعائهم له .
حتى أنهُ كانَ يساندُ القواطع المجاورة عند تعرضهم لهجوم و يتقدم في أولى الصفوف غيرَ آبهٍ للموت مستمدًا شجاعتهُ من ابي الفضل العباس (عليه السلام) .
باشروا بالعمل لتطهير منطقة گرمة الفلوجة التي كانت مليئة بالعبوات الناسفة إذ ان الاوغاد من أبناء داعش كانوا يربطونَ العبوات باجساد الشهداء  ، و كانَ  هو أول من تقدَم لتفكيك العبوات يشعر انه يرد اعتبار الشهادة ، اخذ على عاتقه تطهير الطريق للسماح بمرور العجلات التي تتقدم لنقل جثث الشهداء ، ارادَ صديقه اللحاقَ به فمنعهُ قائلًا : ارجع لاأحد يدخل معي ، دع واحد منا يموت ، 
كان بيدهِ عصىً يحركُ بها ما كان يقع في طريقهِ من انقاض و في حقيبة ظهرهِ يحمل معداته التي يستخدمها  .
استمرَ بالتقدم حتى  واجههُ منظارٌ ملقىً على الارض ازاحهُ بالعصى واذا بصوتِ انفجارٍ رَهيبٍ قتلَ الصمتَ الذي كان يكسو المكان !
غبارٌ حجبَ الرؤيةَ تمامًا ، صمتٌ آخرَ ملئ المَكان ، يحملُ في طياتهِ حقيقةً لا مَفرَ منها ..
يا لوعة امي وهي تنوح" (ردتك يالولد للگبر عكازه.).
تحولت هلاهل عرسك الى عويل ،وكانت بدلة العرس كفن .
كاظم  .. أنت ذاكرة عراقية عصية على النسيان نترك على قبرك دموعنا  و سورة الفاتحة

ام_تودع_ابنها.jpg