فقيه الاهوار وحكيمها ( ميرزا عناية الله)

  في مدينتي الجميلة،ناحية كرمة بني سعيد ، حيث يشطر نهر الفرات المدينة نصفين، و ينساب الماء بين ضفتي الزمان والمكان. هناك  تقوم قرية (المؤمنين )  تلك القرية الزراعية التي تكثر فيها أشجار النخيل، تتدلى عذوقها على مضيف الكرم ،وتغسل انفاسها بعبق الضفاف.

هناك في أحضان تلك القرية،  في عائلة حوزوية بزغ نور عالم أضاء عقول الناس كما تُضيء الشمس وجه النهر ، وغرس في أهله العلم والمعرفة ، فرفع منار الفكر في أركانها.
العلامة الميرزا السيد عناية الله بن السيد حسين بن السيد علي جمال الدين، ولد  في ليلة الثاني عشر من ذي الحجة 1283 ه‍ / 1866 م ، في قرية المؤمنين ، وسميت قرية المؤمنين بهذا الاسم لأن جده  ميرزا علي  استقرار فيها وبنى أول مسجد من قصب  على ضفاف نهر الفرات وتجمع الناس حوله وتعلم القرويون بعد ذلك التعبد و التدين وغلب الإيمان على سكانها فسميت قرية المؤمنين ،.
نشأ ميرزا عناية الله في قرية المؤمنين وتلقى دراسته الأولية على أبيه العلامة السيد ميرزا حسين جمال الدين .
ثم هاجر إلى مدينة النجف الأشرف فدرس بها عشرين سنة على يد كبار علمائها ، وكان من أبرز أساتذته :
الشيخ ميرزا حسين النوري الطبرسي ، الشيخ محمد طه نجف شيخ الشريعة الأصفهاني ،السيد حسن الصدر الكاظمي .
، السيد مرتضى الكشميري ، الشيخ محمد حسين الكاظمي،  وصار مجيزاً في الحديث ، وقد اجاز السيد شهاب الدين المرعشي النجفي في الحديث.
بعد أن أكمل ميرزا عناية الله دراسته في النجف الأشرف رجع إلى أهله في قرية المؤمنين  رفع قواعد المدرسة الدينية التي وضع لبناتها الأولى جده وأبوه  رحمهم الله تعالى .
وأصبح فقيهًا بارزًا وزعيمًا اجتماعيًا في المنطقة الجنوبية من العراق، له خدمات اجتماعية كثيرة لازالت الناس تتداولها بالألسن فما تنازع اثنان من أفراد  هذه القبائل وقصدوا السيد عناية الله إلا ورجعا كأخوة متصافين، كان يفض الخصومات بين القبائل ويطفئ الفتن بحكمته .فكان رمزًا للوحدة والتهدئة في زمنٍ تكثر فيه النزاعات. يحكى إن في شتاء ١٩٤٢ م حدث نزاع كبير بين عشيرتين متجاورتين ( آل جويبر وبني سعيد)  فكادت أن تتزهق أرواح كثيرة في هذا النزاع فذهب ميرزا عناية الله على كبر سنه وذهاب بصره في ذلك البرد القارص بصحبة أحد ابنائه ، وقف خطيبًا  بين العشيرتين حتى إقنعهم  ووضع الحد الفاصل بينهم ، فحقن دماء كثيرة كادت أن تذهب في سبيل شبر من الأرض أو أكثر. 
عرف ميرزا عناية الله بكرمه وسخائه وكان  مرجعًا دينيًا لعشائر الأهوار في المنطقة الممتدة بين الناصرية والعمارة والبصرة .

هو وأخوه الميرزا مصطفى  يُدرسان البحث في الفقه والأصول ؛ فكان لله تعالى ؛ مصداقاً لقوله تعالى : ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) .

يوفد الطلبة النابهين إلى مدينة النجف الأشرف لإكمال دراساتهم و السيد عناية اللّه جمال الدين قد أنتهج النهج الأخباري على طريقة آبائه  ، وقد عرف بزهده وقناعته وحبه للعلم .
لم يكتف بالاصلاح الفكري وغرس العلم والمعرفة في عقول سكان المدينة بل حمل راية الجهاد بوجه الاحتلال البريطاني في المنطقة الجنوبية ففي شباط عام ١٩١٥ وتنفيذاً لدعوة العلماء بوجوب الدفاع عن البلاد الإسلامية، 
وحين جاء السيد محمد سعيد الحبوبي من مدينة النجف الاشرف في موكب من المجاهدين وبعد أن طاف في كثير من المدن وصل إلى مدينة الناصرية في منتصف كانون الثاني عام ١٩١٥ يتجول بين العشائر ويرسل اتباعه وممثليه من الشباب إلى العشائر لحثهم على الانضمام للجهاد .
وصل إلى مدينة سوق الشيوخ والتقى بالشيخ باقر وأثناء تجمعهم عقد سليمان بك  اجتماعا في دار الميرزا عناية الله  في قرية المؤمنين  وحضره الشيخ باقر ال حيدر وعجمي السعدون وابن عمه فالح السعدون وحمزة بيك متصرف الناصرية وأخذوا قرار  مهاجمة البصرة من قاعدة الناصرية لاسترجاعها من البريطانيين وإشغال العدو المرابط في القرنة  والتعرض له من جهات الحويزة وعربستان ثم يغادرونها متوجهين إلى الشعيبة  وكان معه عدد من رجال الدين ، وانضوى تحت لوائه جموع من العشائر ، وشهد الميرزا عناية الله أحداث الجهاد بنفسه، فكان أحد قادتها البارزين.

كتب العلامة السيد عناية اللّه جمال الدين في الفقه والعقائد وانجز الدرة الفاخرة ، رسالة في التوحيد ، رسالة في جواز صلاة عيد الغدير جماعة ،
القضاء الشرعي في مسألة الإرث ، تحريم الدخان على أقسامه ،شرح منية المرتاد لجده الميرزا محمد ، سبيل المؤمنين في شرح مفاتيح الشرائع للفيض الكاشاني .، هذه المؤلفات في الفقه والعقائد  تمنح الأجيال معينًا معرفيًا متجدّدًا. وحياته درسًا يعلم الأجيال  إن المجد لا يُنال إلا بالعلم والعمل، وإن الزهد والقناعة لا تعني الانعزال عن الناس ، وأنّ خدمة الناس جهاد لا يقل شأنًا عن مقارعة الأعداء، و العطاء الحق هو ما يبقى أثره بعد الرحيل.
وفي ليلة الجمعة، الثاني والعشرين من ربيع الثاني سنة 1372هـ / 9 شباط 1953م، بعد منتصف الليل نفذ من هذا السراج الوهاج زيته فانطفأت لإطفائه قلوب المؤمنين  وخيمت الوحشة على أرواح الصالحين...
ارتحل الميرزا عناية الله إلى رحمة الله، ودُفن في قرية المؤمنين بوصية منه. رثاه العلماء والشعراء، وجمعت قصائدهم في كتاب الذكرى الخالدة. ومن أرخ وفاته الشيخ عبد الغني الخضري بقوله: وبك الوحي أتى تاريخه (لك قصرٌ ساد في الخلد مكانا).
ورثاه غيره من أعلام الشعراء، منهم الشيخ عبد المنعم الفرطوسي، والشيخ علي الصغير، والأستاذ جميل حيدر، والشيخ محمد الهجري، والشيخ حسين الصغير .رحل عنا وما زال ينبض حبه فينا مودة وسلاما.

عناية_الله.jpg