لم تكن واقعة الطف، بكل تفاصيلها المريرة، مقتصرة على مشاهدة ومشاركة البشر، إنما اشتركت فيها جميع الخلائق الإلهية. فقد بكت السماء دمًا، ونزف الصخر دمًا، وصهل الفرس الما نَعِم… لم تكن واقعة الطف حدثًا إنسانيًّا فحسب، بل شهدت تفاعل المخلوقات جميعًا مع مصاب الإمام الحسين عليه السلام، حتى الحيوان الذي جُبل على الفطرة، وأودع الله في قلبه غريزة مختلفة عن بني البشر، كان له حضور وجداني مؤثر.
ومن أبرز تلك الوجدانيات المعتبرة ما ورد حول فرس الإمام الحسين عليه السلام إذ أقبل وعدا من بين أيديهم أن لا يُؤخذ، فوضع ناصيته في دم الحسين عليه السلام، ثم أقبل يركض نحو خيمة النساء، وهو يصهل ويضرب برأسه الأرض عند الخيمة حتى مات. فلما نظر أخوات الحسين وبناته وأهله إلى الفرس ليس عليه أحد، رفعن أصواتهن بالبكاء والعويل(١).
كما نُقل أنه لما قُتل الحسين عليه السلام، جعل جواده يصهل ويحمحم، ويتخطّى القتلى في المعركة واحدًا بعد واحد، فنظر إليه عمر بن سعد، فصاح بالرجال: "خذوه وأتوني به"، وكان من جياد خيل رسول الله صلى الله عليه وآله(٢).
كان الصهيل في تلك اللحظة تجسيدًا لوفائه وحزنه، ورفضًا فطريًّا يُفصح عن أن الفطرة السليمة للحيوان تأبى امتهان جسد وليّ الله.
وعلى الرغم من تعدد الأقوال والأخبار عن مصير ذلك الفرس، فقد جاء في حديث طويل:
"… ويمكن أن يكون هو الفرس الذي كان الحسين عليه السلام يوم كربلاء راكبًا له، وبعد استشهاده غاب في الفرات، وسيجيء صاحب الأمر صلوات الله عليه راكبًا له"(٣).
ومن الوجدانيات ما جاء عن الطير، فقد ورد عن الإمام الرضا عليه السلام قوله:
"ترى هذه البومة؟ كانت على عهد جدي رسول الله صلى الله عليه وآله تأوي المنازل والقصور والدور، وكانت إذا أكل الناس الطعام تطير فتقع أمامهم، فيُرمى إليها بالطعام وتسقى، ثم ترجع إلى مكانها. ولما قُتل الحسين بن علي خرجت من العمران إلى الخراب والجبال والبراري، وقالت: بئس الأمة أنتم، قتلتم ابن نبيكم، ولا آمنكم على نفسي"(٤)
وجاء في كتاب شجرة الطوبى للشيخ محمد مهدي الحائري الحديث عن نورس كان يلطخ اجنحته بدم الحسين عليه السلام وينثر فوق رؤوس جند الكوفة الدم وكانوا لشدة امتعاضهم يرمونه بالسهام حوّل المعركة من الارض الى السماء وكانه يقول لهم ان حرب الحسين عليه السلام هي حرب ضد السماء,
إن هذه المشاهد ليست غرائب للتاريخ فحسب، بل هي دلالة على أن قضية الحسين عليه السلام تجاوزت حدود الإنسان، فاهتزّت لها الكائنات كلها. لقد عبّر الحيوان عن وجدانه بطريقته الفطرية؛ بالصهيل، والاضطراب، والحوم، وكأنها لغة الحزن التي يشترك فيها الخلق جميعًا عند فقدان رمز الحق والعدل.
وهكذا تكشف لنا واقعة الطف أن الحسين عليه السلام لم يكن إمام البشر وحدهم، بل إمام الفطرة، الذي بكت لفقده الأرض والسماء، وارتجفت لفاجعته قلوب الأحياء جميعًا، حتى من لا لسان له.
فالسلام والصلاة عليه يوم وُلد، ويوم استُشهد، ويوم يُبعث حيًّا ناشرًا قميصه في عرصات يوم القيامة المشهود.
المراجع:
١. بحار الأنوار – العلامة المجلسي – ج45، ص60.المكتبة الشيعية
٢. المنتخب للطريحي، ص424؛ الخصائص الحسينية، ص91.
٣. الحاشية على أصول الكافي، ص163.
٤. بحار الأنوار – العلامة المجلسي – ج45، ص214، المكتبة الشيعية.
