سقطت بعض سعافاتها ، والقليل أصِبنَ باليباس وبقينَ معلقات ، فزاعة من نوع آخر، هذا ما قرَرَتهُ وأنزَلتهُ إحدى مخلوقات الله في هذه النخلة التي لا عزاء لها، ولا دَخْل لها فيما يحدث.
وحسّان المجنون يريد أكمال المهمة ، قَتْلُ الفزاعةِ تماما، تنظيف الأرض منها.
إنها مجرد قطعة كَرَب خاوية نحسة.
قبل أن يكون مجنونا وبعد أن صار مجنونا كاد يفعلها ،وفي ما قبل الجنون وفي ما بعد الجنون كان يفشل في ذلك.
ثمة أرضُ أدغالٍ قرب بيوت شعبية ، كأنها حقل ألغام، هنا تلتصق حشرة الدوباس برفيقتها تلك.
حقل الألغام هذا، مرعى من حشائش طويلة وقصيرة ،يسرح فيه قطيع أغنام ومجموعة أبقار .
المدينة والأدغال والمواشي تدخل الحرب في ميلادها الثالث.
حسّان ، بوابة الجامعة تنقذهُ من الدخول في بوابات الموت المجاني.
أما سعدون، صديقه، يدخل عامه الثامن عشر فيدخل الحرب مثل كل شيء قد دخلها.
لكنه بالطبع ليس مثل كل شيء.
إن الموت الآن هو عبث كما تفعل حشرة الدوباس هناك، هكذا يقرآن الحربَ حسّان و سعدون .
العام الثالث من ولادتها المشوهة الملامح والمعنى والمآل،
و سعدون يركب الدفاعات الجوية ليوقع خسائر في السماء ، ضحاياه بعضهم يهبطون بالمظلات، يتأمل ذلك وهو يسرق بجرأة وقتاً مستقطعا من العبث الطويل.
لا متعة في السرقة من أجل تأمل الحرب.
لصديقه يكتب مرة : " يا حسّان لا أعرفهم ولا يعرفونني، يبدو أن بيننا شيطانا، كلانا لا نعرفهُ.. وأنا مثلهم ومثل مَن معي أما قاتل أو قتيل.. هم يريدون قتلي وهم في السماء وأنا اتهيأ لقتلهم وأنا في الأرض.
وكلانا لا نعرف بعض "
صديقي العزيز:
" حدث أن طاردني كلبان، نهاية إجازتي ،قبل أن أصل إلى سريتي ، عند ذروة الليل ،في منطقة برّية موحشة.
بعظتين في عضلة ساقي الأيمن وواحدة في الأيسر ، وبفردة بسطال واحدة ، وبيريّة مفقودة ؛ عدت إلى سريتي.
ماذا تفعل الكلاب ببسطالي* ، لماذا هي كثيرة يا حسان.
وبخّني ضابط السرية قبل أن يسجنني:
شرفك العسكري كيف تركتهُ بين أسنان الكلاب.
"هبطتْ معركتي من السماء إلى الأرض.
ها إني أحتاج إلى مظلة أهبط بها بسلام.
رحى معركتي الآن بين المشفى وسجن الكتيبة"
تلك كانت رسالة أخرى.
صار سعدون أكثر غضباً فيما بعد ، يرفع رأسه إلى السماء ،وهذه المرة ينظر إلى الله لا إلى صيد فضائي ، قيل إنه شتم الكلاب، الأكثر من ذلك قيل إنه لم يستثنِ كلبا واحداً، كان يشتم بعد أن كان يشرب الشاي بقنينة بلاستيكية عند الصباح، بعد مَرَقِ الغداء قليل الملح وكثير الكافور كان يشتم ، وبعد العشاء البارد الذي ما كان يأكله؛ كان يشتم.
الكلابَ بالطبع!
بعد انقطاع الزمن في تسعين يوما دون رسائل وعند منتصف الظهيرة ، تجمَّعَ مَن تجمعَ من سكان المحلة القريبة من الحقل ، رجال ونساء.
ماذا تصنع النساء هنا!؟
الحقل يهيئ احتفاله .
مستطيل من الناس لكن بثلاثة أضلاع ، الضلع الرابع هو الشجرة و الدوباس و سعدون، سعدون معصوب العينين أمام كتيبة الإعدام ، كتيبة الإعدام التي أصبحت الضلع المقابل لقلبه وأضلاعه .
وانطلقت الزغاريد!!
الزغاريد سبقتْ الرصاص وحسب أوامر إله الحرب ، حتى بعد أن اخترقت قلبه لم تتوقف الهلاهل وحسب اجتهاد النسوة.
الأصح من ذلك أن الهلاهل وأشقاؤ هم الرصاص كلهم اخترقوا أحشاءه.
لإكمال الصورة، ارتفع خوار الأبقار و ثغاء الأغنام عند ارتفاع الزغاريد والرصاص.
تصحيح أخير ، استمرَّ خوار الأبقار والأغنام بعد تدفق الدم وتوقفْ بهحة النسوة.
ألم ينتهِ العرض بعد ؟
هبت ريح تمايلت لها الحشائش الطويلة والقصيرة والنباتات الصغيرة.
وتلاعبت بخصلات شعر الفتى مثقّب الصدر.
انتهى العرض ولم ينتهِ.
فكيف يبقى حسان بعد ذلك كله على ما كان عليه ، شاهَدَ المشَهد الذي لم يشاهده أصلا ، صُوِرَتْ في مخيلته الحكاية والصورة، فيما بعد كانت خطاه تقوده إلى مسرح القتل والقتيل دون إرادته،
لم تسدل الستارة عند حسان؛ فالعرض لم يتوقف في قلبه.
بين الذهاب والعودة ولمرات كثيرة لذلك المسرح ، كانت خلايا في رأسه تفقد وظيفتها ودون عودة.
نزوة الحرب في عامها الرابع ،كانت الشجرة ذاتها مربطا لجندي آخر هارب من الأيام
ماذا يفيد حسان إن قيل فيما بعد إنه لم يكن عاقلاً إلا حين يُرَى متخاتلا راكضا تحت طيات الليل لقطع رفيقة الدوباس تلك.
ماذا يفيد حسان.. إن شوهد يوما مربوطا على الفزاعةِ تلك.
حميد الهاشم/ العراق.
*البسطال / الحذاء العسكري الذي يلبسه الجنود.
