• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : لُعِنَت أمَّةٌ.. عقّت أباها.. رسول الله (ص)! .
                          • الكاتب : شعيب العاملي .

لُعِنَت أمَّةٌ.. عقّت أباها.. رسول الله (ص)!

 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
روى اليهود في توراتهم أمرَ الربّ للناس: أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ لِكَيْ تَطُولَ أَيَّامُكَ عَلَى الأَرْضِ (الخروج20: 12)، ومَن لم يُكرمهما كان حكمه القتل عندهم: وَمَنْ ضَرَبَ أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ يُقْتَلُ قَتْلاً.. وَمَنْ شَتَمَ أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ يُقْتَلُ قَتْلاً (الخروج21: 15 و17).
 
وأمَرَ إنجيل النصارى بطاعة الوالدين في الربّ، وبإكرامهما، وعدّها أوّل وصية (أفسس6: 1-3)، وكرّر إنجيل متى وصيّة التوراة: مَنْ يَشْتِمْ أَبًا أَوْ أُمًّا فَلْيَمُتْ مَوْتًا (متى15: 4).
 
خالَفَهم الإسلام حينما خفَّفَ العقوبة عن العاقّ في الدنيا فلم يحكم عليه بالقتل، لكنّه حَرَمَهُ في الآخرة من ريح الجنة مسيرة خمسماءة عام، عقوبةً خاصّة لمن عقَّ والديه (كما عن الإمام الصادق عليه السلام في الكافي ج‏2 ص348).
 
أبوا هذه الأمة!
 
لكن الإسلام أضاف إلى وجوب الإحسان للأبوين حكماً خاصاً، حينما نَزَّل رجلين من هذه الأمّة منزلة الأبوين، فقد روينا عن أبي جعفر الباقر عليه السلام في قول الله: «وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانا» قال: إن رسول الله (ص) أحد الوالدين وعلي الآخر (تفسير العياشي ج1 ص241).
 
لقد أمَرَ أميرُ المؤمنين ولده الحسن عليهما السلام أن يعلو المنبر في شهر رمضان الذي أصيب فيه، وأن يقول: لَعَنَ اللَّهُ وَلَداً عَقَّ أَبَوَيْهِ، لَعَنَ اللَّهُ وَلَداً عَقَّ أَبَوَيْهِ، لَعَنَ اللَّهُ وَلَداً عَقَّ أَبَوَيْهِ.
 
اجتَمَعَ الناس على الحسن عليه السلام ليفهموا مراده، فأحالهم على أبيه عليه السلام، فنقل أميرُ المؤمنين عليه السلام قول النبي (ص) له: أَنَا وَأَنْتَ أَبَوَا هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ عَقَّنَا، قُلْ: آمِينَ، قُلْتُ: آمِينَ (معاني الأخبار ص118).
 
فمَن عقّ أبوا هذه الأمّة؟!
 
لقد وصفَ أميرُ المؤمنين ما عانى الرسول صلى الله عليه وآله، من فئات: الأقصون والأدنون معاً! فقال: وَقَدْ تَلَوَّنَ لَهُ الْأَدْنَوْنَ، وَتَأَلَّبَ عَلَيْهِ الْأَقْصَوْنَ (نهج البلاغة ص307).
 
أمّا الأقصون، فأوّلهم اليهود أشدُّ الناس عداوة للذين آمنوا، ذكرهم تعالى قبل ذكر المشركين فقال: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذينَ أَشْرَكُوا) (المائدة82).
 
وقد كان مِن عقوقهم له شركتهم في قتله صلى الله عليه وآله، فقد روينا عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قوله: سُمَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) يَوْمَ خَيْبَرَ.. فَقَالَ النَّبِيُّ (ص) عِنْدَ مَوْتِهِ: الْيَوْمَ قَطَّعَتْ مَطَايَايَ الْأُكْلَةُ الَّتِي أَكَلْتُ بِخَيْبَرَ، وَمَا مِنْ نَبِيٍّ وَلَا وَصِيٍّ إِلَّا شَهِيدٌ (بصائر الدرجات ج1 ص503).
 
كان بين وقعة خيبر (سنة 7هـ) وبين شهادته (سنة11هـ ) صلى الله عليه وآله سنوات..
فهل كانت شهادته تأثُّراً بسمّ خيبر فقط؟!
هل أنّ من سمَّ النبيَّ (ص) في خيبر لم يعد يطيق الصبر؟! فبعد أن أخذ مهلة سنوات أربعة عاجَلَهُ بأدواتٍ أخرى سمّاً جديداً؟!
أم أنّ اتّفاق المصالح بين (الأقصين) و(الأدنين) كان اتّفاقياً، فقام (الأدنون) بسُمِّه فاجتمع السُمَّان عليه صلوات ربي عليه؟! بعدما تأخّر الأول في إنهاء حياته (ص)؟!
 
لقد روينا فضلاً عن سمّه في يوم خيبر أنّه قد سُمَّ قبل الموت، وأنّهما قد (سقتاه) أو (سمّتاه)، فعن عبد الصمد بن بشير عن أبي عبد الله (ع) قال: تدرون مات النبي (ص) أو قتل؟
إن الله يقول: «أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى‏ أَعْقابِكُمْ» فَسُمَّ قبل الموت، إنهما سقتاه «سمّتاه» [قبل الموت‏] فقلنا: إنهما وأبوهما شر مَن خلق الله (تفسير العياشي ج‏1 ص200).
 
سُمَّ إذاً في خيبر، وسُمَّ قبل موته، فمات مقتولاً شهيداً مظلوماً صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله الأطهار.
 
أعلى مراتب العقوق!
 
لقد روينا عن الصادق عليه السلام قوله: إِنَّ فَوْقَ كُلِّ عُقُوقٍ عُقُوقاً حَتَّى يَقْتُلَ الرَّجُلُ أَحَدَ وَالِدَيْهِ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَلَيْسَ فَوْقَهُ عُقُوقٌ (الكافي ج‏2 ص348).
 
هذا فيمن عقّ مَن ولده، أمَّهُ وأباه، لكنّ حقّ محمد وعلي عليهما وآلهما السلام أعظم على الأمة من حقّ الأبوين، فقد روي عنه (ص) أنّه قال: يَا عَلِيُّ أَنَا وَأَنْتَ أَبَوَا هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَلَحَقُّنَا عَلَيْهِمْ أَعْظَمُ مِنْ حَقِّ أَبَوَيْ وِلَادَتِهِمْ (مناقب آل أبي طالب عليهم السلام ج‏3 ص105).
 
لقد ارتكب بعضُ من في هذه الأمة إذاً أعظم عقوقٍ بحقّ أعظمٍ أبٍ، هو رسول الله صلى الله عليه وآله، فصاروا مصداقاً لقوله (ص): فَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ عَقَّنَا..
 
هل يُحشَرُ هؤلاء مع وَلَدِ نوح؟ كما قال (ص): أَنَا وَعَلِيٌّ أَبَوَا هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَمَنْ عَصَى أَبَاهُ فَحُشِرَ مَعَ وَلَدِ نُوحٍ (مائة منقبة ص46)
 
أم أن العاصي لأبيه يُحشر مع وَلَدِ نوح، أمّا القاتلُ له فإنه قد عقّه أشدّ العقوق، أفلا ينال بذلك أعظم العذاب فيهون أمامه عذاب ولد نوح؟!
 
العقوق بأذيّة الأبناء! سنّة يهودية!
 
يستنكرُ العقل الإساءة لغير المستحقّ، وتقرّ ذلك الكتب المنسوبة إلى السماء، ففي الكتاب المقدّس: «لاَ يُقْتَلُ الآبَاءُ عَنِ الأَوْلاَدِ، وَلاَ يُقْتَلُ الأَوْلاَدُ عَنِ الآبَاءِ. كُلُّ إِنْسَانٍ بِخَطِيَّتِهِ يُقْتَلُ (التثنية24: 16).
 
وفي القرآن الكريم: (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏) (الأنعام164).
 
لكنّ اليهود لم يعملوا بهذه القاعدة، ونسبوا مخالفتها ل(يشوع) وصيّ موسى عليها السلام، وهو المعروف عندنا ب(يوشع بن نون)، فرووا في توراتهم أن رجلاً يُدعى (عَخَانُ) قد خالف أمر الله تعالى، حينما سَرَقَ وطَمَرَ ما سرق تحت خيمته، فجاء أمرُ ربّ اليهود بزعمهم: وَيَكُونُ الْمَأْخُوذُ بِالْحَرَامِ يُحْرَقُ بِالنَّارِ هُوَ وَكُلُّ مَا لَهُ (يشوع7: 15).
 
ناقَضَ سِفرُ يشوع سفرَ التثنية، فذاك ينهى عن قتل الأولاد بجريرة الآباء، وعن قتل الإنسان بخطيئة غيره، وهنا يأمر بإحراق الأولاد مع أبيهم لخطيئة الأب!
 
فأخذ (يشوع) (غخانَ) وما سَرَق، وضمّ لذلك: بَنِيهِ وَبَنَاتِهِ وَبَقَرَهُ وَحَمِيرَهُ وَغَنَمَهُ وَخَيْمَتَهُ وَكُلَّ مَا لَهُ.. فَرَجَمَهُ جَمِيعُ إِسْرَائِيلَ بِالْحِجَارَةِ وَأَحْرَقُوهُمْ بِالنَّارِ وَرَمَوْهُمْ بِالْحِجَارَةِ.. فَرَجَعَ الرَّبُّ عَنْ حُمُوِّ غَضَبِهِ.(يشوع7: 24-26).
 
أيُّ رَبٍّ هذا الذي يأمُرُ بإحراق البنين والبناتِ لذنبٍ ارتكبه أبوهم؟! ولا يرجع الربّ عن غضبه إلا بذلك؟!
 
رَبُّ اليهود (الأقصين) هذا هو نفسه ربُّ من سمّتاه (الأدنين) وأبويهما وأتباعهما.. 
هُوَ منهَجٌ واحدٌ سارَ عليه الفريق الآخر الذي سمّ النبيّ (ص) قبل قتله كما سمّه اليهود، فعقّوا محمداً (ص) في ذريّته، وأرادوا استئصالهم وقتلهم جميعاً، لا لذنبٍ ارتكبه النبي (ص)، ولا لذنبٍ ارتكبه بنوه..
 
لقد صرّحوا يوم الطف بمكامن نفوسهم حينما قالوا لسيد الشهداء عليه السلام: نقاتلك بغضاً منا لأبيك!
 
لقد أبغضوا أبويهم أشدّ البغض، فقتلوهما وقتلوا عيالهما..
 
فلَعَنَ الله أمّة عقّت أباها، بل أبويها، نبيّها وإمامها..
ورَحِمَ الله من تبرأ من العاقّين وجعلنا ممن ينتصر لأبويه ويحشر معهم..
 
وعظم الله اجورنا واجوركم بشهادة رسول الله صلى الله عليه وآله
وإنا لله وإنا إليه راجعون




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=173085
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2022 / 09 / 25
  • تاريخ الطباعة : 2023 / 01 / 26