• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : الحسين بن علي.. وحَمامُ الحَرَم! .
                          • الكاتب : شعيب العاملي .

الحسين بن علي.. وحَمامُ الحَرَم!

بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحُسَينُ عليه السلام إمامٌ مَعصومٌ، مُحدَّثٌ، لا يُقدِمُ إلا على ما فيه رضا الله تعالى، رغم ذلك تعدَّدَ النّاصحون له بعدم الخروج مِن مكَّة، إما شَفَقَةً عليه ورحمةً به وحُبّاً له، وإمّا لأغراضٍ وغاياتٍ ومآرب.
 
ولقد كان عبدُ الله ابن الزُّبير واحداً منهم، حيثُ خلا بالإمام عليه السلام قبل خروجه من مكَّة وناجاهُ طويلاً، ثمَّ ما لبثَ الإمامُ أن نقلَ قول ابن الزبير له، فقال عليه السلام: إِنَّ هَذَا يَقُولُ لِي: كُنْ حَمَاماً مِنْ حَمَامِ الحَرَمِ! (كامل الزيارات ص72).
 
لم يقبل الإمامُ كلامَهُ بالبقاء، لئلا يُقتلَ في الحرم الشريف، فالقومُ قد عزموا على قتله أينما وجدوه، ولو متعلِّقاً بأستار الكعبة، وقد قال عليه السلام: لَأَنْ أُقْتَلَ بِالطَّفِّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُقْتَلَ بِالحَرَمِ (كامل الزيارات ص72).
 
ثمَّ عَرَّضَ عليه السلام بابن الزبير حين قال له: إِنَّ‌ أَبِي حَدَّثَنِي: «أَنَّ‌ بِهَا كَبْشاً يَسْتَحِلُّ‌ حُرْمَتَهَا»! فَمَا أُحِبُّ‌ أَنْ‌ أَكُونَ‌ أَنَا ذَلِكَ‌ الْكَبْشَ‌! (وقعة الطف ص152).
وكان ابن الزُّبير مَن استحلَّ حُرمةَ الحرم فعلاً، ثمَّ قتل فيه، حتى قيل أنَّه قُتِلَ متعلِّقاً بأستار الكعبة!
 
ولكن..
يقفُ الباحثُ قليلاً مع قوله للإمام (كُنْ حَمَاماً مِنْ حَمَامِ الحَرَمِ!).
 
فما قصَّةُ حمام الحَرَمِ هذا؟!
 
ههنا محطاتٌ غريبةٌ مع هذا الحمام منها:
 
أولاً: حمام الحرم.. حمامُ الأنبياء!
 
لقد حثَّت الشريعة على اتِّخاذ الطيور في المنزل، ويظهرُ مما رُوي في تُراث آل محمد عليهم السلام أنَّ الحمامَ من الطيور التي كان الأنبياء يمسكونها في بيوتهم، وقد ورد عن الصادق عليه السلام: الحَمَامُ طَيْرٌ مِنْ طُيُورِ الْأَنْبِيَاءِ (ع) (الكافي ج6 ص547).
 
ولقد كان أوَّلُ عهد الحرم بالحمام أيام إسماعيل عليه السلام، فكان أوَّلُ حمامٍ بمكة حمامه عليه السلام، ثم مِن بقيَّته كان حمام الحرم، ففي الحديث عن الصادق عليه السلام: إِنَّ أَصْلَ حَمَامِ الْحَرَمِ بَقِيَّةُ حَمَامٍ كَانَ لِإِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ (ع) اتَّخَذَهَا (الكافي ج6 ص546).
فصار حمامُ الحَرَم: مِنْ نَسْلِ حَمَامِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ (ع).
 
ثانياً: أحكامُ حمَام الحَرَم
 
لقد حَرَّمَت الشريعة بعضَ أصناف الصيد في الحَرَم، بل حَرَّمَت مطلق الأذيَّة لأصنافٍ من الحيوانات، وكان مِنها حمام الحَرَم، فورد في الروايات جملةٌ من أحكامه منها:
 
1. حُرمَةُ تنفيره!
 
ففي الحديث: وَإِنْ نَفَّرْتَ حَمَامَ الْحَرَمِ فَرَجَعَتْ فَعَلَيْكَ فِي كُلِّهَا شَاةٌ، وَإِنْ لَمْ تَرَهَا رَجَعَتْ فَعَلَيْكَ لِكُلِّ طَيْرٍ دَمُ شَاة (الفقه المنسوب إلى الإمام الرضا عليه السلام ص229).
 
2. وجوب رَدِّه بعد الإخراج!
 
ففي الحديث عن رجلٍ أخرج حمامةً من حمام الحرم قال: عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهَا فَإِنْ مَاتَتْ فَعَلَيْهِ ثَمَنُهَا يَتَصَدَّقُ بِهِ (مسائل علي بن جعفر ومستدركاتها ص271).
 
3. المنعُ مِن نتفه!
 
ولزوم التصدُّق بصدقة على المسكين باليد التي نَتَفها بها (الكافي ج‏4 ص236).
 
4. مَنعُ كَسرِ بيضه!
 
ولزوم التصدُّق لو كُسِر ولو خطأً (الكافي ج4 ص236).
 
5. حُرمَةُ صَيده!
 
سواءٌ كان ذلك في الحَرَم أو الحلِّ، ففي الحديث: لَا يُصَادُ حَمَامُ الْحَرَمِ حَيْثُ كَانَ إِذَا عُلِمَ أَنَّهُ مِنْ حَمَامِ الْحَرَمِ (مسائل علي بن جعفر ومستدركاتها ص271).
 
6. حُرمَةُ ذبحه وأكله!
 
فمَن ذبحهُ عليه الفداء، ومَن أكله عليه فداءٌ آخر (الأصول الستة عشر ص313).
 
7. لزوم دفنه!
 
كما في الرواية: فَمَا يَصْنَعُ بِهِ ؟ قَالَ: يَدْفِنُه‏ (الكافي ج4 ص234).
 
بهذا يتبيَّن أنَّ الشريعة قد نَزَّلَت حمامَ الحَرَمِ منزلةً يحرُمُ معها أيُّ نوعٍ من أنواع الإيذاء له، بل سَوَّغَت قتلَ السَّبع الذي يقتلُ حمام الحرم، ففي الحديث أنَّ سبعاً من الطير صار يضربُ ما يمرُّ به من حمام الحرم، فقال الصادق عليه السلام: انْصِبُوا لَهُ وَاقْتُلُوهُ فَإِنَّهُ قَدْ أَلحَدَ (الكافي ج4 ص227).
هذا إن كان سبعاً، أما إن كان إنساناً مؤمناً، فإنَّ الله تعالى قد أكرمَ المؤمن بأنَّ الصاعقة لا تصيبه، إلا إن كان: يَرْمِي حَمَامَ الحَرَم ! (علل الشرائع ج2 ص462).
 
ثالثاً: الحسين وحمامُ الحَرَم
 
لقد أرادَ ابنُ الزبير من الحسين عليه السلام أن يكون كحَمام الحَرَم!
ومهما كانت أغراضه وغاياته، فإنَّ لحمام الحرم حُرمَةً عند الله تعالى!
 
فهل صارَت حُرمَةُ هذا الحَمام أعظمَ مِن حُرمة الحسين عليه السلام؟ وهو سيِّدِ شباب أهل الجنة.. وهل صارَ حِفظُ الحسين موقوفاً على تشبيه حُرمته بحُرمَةَ الحمام؟!
 
لا والله.. لقد أرادوا قتلَه وهو في الحَرَم، فبَلَغَت الأمة من التسافُل أن سَلَبَت إمامَها وعينَ حياتها وسبيل هدايتها ما أعطاه الله لطَيرٍ من الطيور!
 
ثمَّ كان الحمامُ نفسُه أفضلَ مِن أكثر مَن في هذه الأمَّة! فالأمَّة قتَلَت حُسَينها، بينما صارت بعضُ أصناف الحمام تدعو على قتلته!
ففي الحديث أنَّ الحمام الراعبيِّ: يَدْعُو عَلَى قَتَلَةِ الحُسَيْنِ (ع) فَاتَّخِذُوا فِي مَنَازِلِكُمْ.
وفي خبرٍ آخر: إِنَّهَا تَلْعَنُ قَتَلَةَ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ (ع) وَلَعَنَ الله قَاتِلَهُ (الكافي ج6 ص547-548).
 
بهذا ظهرت مفارقات عجيبة:
 
1. لقد حَرَّمَ الله تعالى تنفيرَ حمام الحَرَم.
فنَفَّرَت الأمةُ الحُسين عليه السلام من المدينة إلى مكَّة، ثمّ من مكة إلى خارجها!
 
2. وأوجب الله تعالى إرجاع الحمام سالِماً إن أُخرِجَ من الحَرَم.
لكنَّ الأمَة لم تُرجِع حُسيناً! ولم تسمح له بأن يسير إلى أي بقعةٍ من بقاعِ الأرض يكون فيها آمناً!
 
3. ومَنَعَت الشريعة كسرَ بيض حمام الحَرَم!
لكنَّ الأمَّة قَتَلَت فِراخَ الحسين! مَن كان رضيعاً منهم ومَن لم يكن!
 
4. وحرَّمت الشريعة صيد الحمام وذبحه!
لكنَّ الأمة ذَبَحَت إمامها الحسين من القفا! ومعه أهل بيته وأصحابه.
 
5. وأوجَبَت الشريعة دَفنَ حمام الحَرَم!
لكنَّ الأمَّة تَرَكت حُسيناً على الرمضاء أياماً!
 
لا يتَحيَّر المؤمنُ بين الحسين بن علي.. وبينَ حمام الحَرَم! حيثُ أصابت الصاعقةُ مؤمناً رمى حمام الحَرَم.. ولَم تُصِب قَتَلَةَ الحُسين عليه السلام!
 
لا يتحيَّر المؤمن في سِرِّ ذلك، فإنَّهُ يعلَم أنَّ جبرائيل نزلَ يوم عاشوراء فصَرَخَ في العسكر، وهو خائفٌ من نزول العذاب على مَن في الأرض وهلاكهم، وقد قال الصادق عليه السلام: أَمَا إِنَّهُ لَوْ أُذِنَ لَهُ فِيهِمْ لَصَاحَ بِهِمْ صَيْحَةً يَخْطَفُ بِهِ أَرْوَاحَهُمْ مِنْ أَبْدَانِهِمْ إِلَى النَّارِ، وَلَكِنْ أُمْهِلَ لهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلهُمْ عَذابٌ أَلِيم‏ (كامل الزيارات ص337).
 
لقد أجَّلَ الله عذابَ جَمعِهم، لكنَّ هذا لم يمنع من أن ينالوا بعض ما يستحقونه في هذه الدّار..
 
فمِنهم من عَميَت عيناه، ومِنهم من يبست يداه، ومِنهم من صارتا تقطران دماً وقَيحاً، ومنهم من أصابه البَرَص، ومنهم مَن صار معتوهاً وذهب عقله، ومِنهم من صار مُقعَداً، ومِنهم من أحرقته النار مهما عالَجَها بالماء حتى صار فحماً.. بل ماتَ كلُّهُم أو جُلُّهم ميتة سوء أو قتلة سوء.
 
ثمّ أعدَّ الله لهم عذاباً على يد المنتقم الآخذ بالثار، وآخر لا يخطر على قلب بشرٍ يوم الحساب.
 
ولستُ أدري ما سيكون عذاب من زَعَم أنَّ الحسين وصحبه كانوا يفرُّون فِرار الحمام من الصقر!
لقد قتلوا الحسين عليه السلام يوم الطفّ، ثم أرادوا قتلَ شخصيَّته، وإسقاط هيبته، فهذا شمرٌ يقول كاذباً ليزيد لعنهما الله:
فغدونا عليهم عند شروق الشمس، فأحطنا بهم من كل جانب، فلما أخذت السيوف منهم مأخذها جعلوا يلوذون الى غير وِزر (ملجأ)، لَوَذَانَ الحمام من الصقور، فما كان الا مقدار جزر جزوز، او نوم قائل حتى أتينا على آخرهم (الأخبار الطوال للدينوري ص260).
 
وقال لعينٌ آخر ليزيد: فجعلوا يُبَرقِطُون (يهربون) إلى غير وِزر ويلوذون منا.. لواذا كما لاذ الحمائم من صقر! (الطبقات الكبرى ج1 ص485).
 
لَم يُعامِل هؤلاء الأراذل سادة الخلق كحمام الحَرَم، فأرادوا حربَهم وقِتالَهم، وقد عرفوا بأسَهم وشدَّتَهم، وهذا ابن سعد يقول: لاَ يَسْتَسْلِمُ‌ وَالله حُسَيْنٌ‌، إِنَّ‌ نَفْساً أَبِيَّة لَبَيْنَ‌ جَنْبَيْهِ‌! (وقعة الطف ص189) أو: إِنَّ نَفْسَ أَبِيهِ لَبَيْنَ جَنْبَيْه‏ (الإرشاد ج2 ص89).
 
وقد قال قائلهم: أتدرون من تقاتلون‌؟ تقاتلون فرسان المصر وأهل البصائر، وقوماً مستميتين، لا يبرز إليهم أحد منكم إلا قتلوه على قلَّتهم (مقتل الخوارزمي ج2 ص18)
 
وهكذا لُعِنَت هذه الأمَّةُ العاصية لربِّها في أحبِّ الخلق إليه بعد رسوله.
 
هكذا صار الحُسينُ أهونَ عندَهم مِن طَيرٍ يعيشُ في الحَرَم، وهو الذي عاش في كنف الرسول والوصي والبضعة!
 
وقد استمرَّ الدَّجَلُ والنِّفاق في الأمة بعد قتله، فشبَّهوه وأصحابه بالحمائم التي تفرُّ وهم ليوثُ الوغى وغيوثُ الندى وطعّان العِدى..
ثم أقرَّت الأمَّةُ أعداءه على قتله، حينَ نَسيَت مقتله ووالت أعداءه وقاتليه ومَن أسس أساس الظُّلم عليهم.. بل كان منها مَن جعلَ عاشوراءه يوم فرحٍ وسرور!
 
وقد مرَّ العاشر بالأمس القريب في بلاد المسلمين كأنَّ شيئاً لم يكن!
كأنَّ سبطَ المصطفى لَم يقتل فيه، ولَم تُفرَ أوداجه! ويُرفع على القنا راسه!
وكأنَّ حريم النبوة والرسالة لم يُطَف بهنَّ سبايا من بلَدٍ إلى بلد!
 
فيا لها من ظُلامةٍ لم ينتهِ أمَدُها..
فإنا لله وإنا إليه راجعون..

الشيخ محمد مصطفى محمد مصري العاملي 
 
الخميس 12 محرّم الحرام 1444 هـ الموافق 11 – 8 – 2022 م




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=171515
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2022 / 08 / 12
  • تاريخ الطباعة : 2022 / 11 / 30